بشكاتب

من حرير أخميم إلى كسوة الكعبة حكاية حرفة مصرية عريقة تقاوم الاندثار

الجمعة 6 مارس 2026 12:50 مـ 17 رمضان 1447 هـ
صنايعي حرير أخميم
صنايعي حرير أخميم

في قلب صعيد مصر، ما تزال أنوال النسيج اليدوي تدور ببطء لكنها تحمل تاريخًا يمتد لقرون، مدينة أخميم في محافظة سوهاج، التي اشتهرت قديمًا بصناعة الحرير المستخدم في كسوة الكعبة، تسعى اليوم لإحياء تراثها الصناعي وسط تحديات اقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

أخميم عندما كان الحرير المصري يصل إلى الكعبة

تعد أخميم واحدة من أقدم المدن المصرية التي اشتهرت بصناعة الحرير الطبيعي والنسيج اليدوي، ووفقًا لروايات تاريخية متوارثة بين الحرفيين، كان الحرير المنتج في أخميم يُرسل إلى القاهرة ليتم تطريزه وكتابة الآيات القرآنية عليه قبل استخدامه في صناعة كسوة الكعبة.

من حرير أخميم إلى كسوة الكعبة حكاية حرفة مصرية عريقة تقاوم الاندثار

هذا الإرث التاريخي منح المدينة مكانة مميزة في خريطة الحرف التقليدية في مصر، وجعلها مركزًا لصناعة المنسوجات اليدوية التي اشتهرت بجودة الخامات ودقة التصميم.

أنوال خشبية تحافظ على روح الحرفة

حتى اليوم، لا تزال الورش الصغيرة في أخميم تعتمد على النول اليدوي، وهو آلة خشبية بسيطة يديرها الحرفي لإنتاج المنسوجات التقليدية مثل:

  • الكوفرتات الأخميمية الشهيرة

  • المفروشات اليدوية

  • الشيلان المطرزة

  • الأقمشة التراثية

وتتميز هذه المنتجات بثبات الألوان وجودة الخيوط، ما جعلها تصل إلى معارض محلية ودولية، رغم المنافسة الشرسة من المنسوجات المصنعة آليًا.

أبرز مصانع النسيج التقليدي

رغم أن أغلب الإنتاج يتم عبر الورش الحرفية، فإن أخميم تضم عددًا من المنشآت الصناعية القديمة التي حافظت على تقاليد النسيج اليدوي، من بينها:

  • مصنع الحاج حسين الخطيب

  • مصنع الشرق للنسيج

  • مصانع أنور عياد

  • مصنع ماهر سمعان

  • مصنع عبير جمال

وتعتمد هذه المصانع على عشرات العمال المهرة الذين يديرون الأنوال اليدوية لإنتاج منسوجات تحمل الطابع التراثي المصري.

جزيرة شندويل عاصمة فن التلي في سوهاج

على بعد مسافة قصيرة من أخميم تقع جزيرة شندويل التي تشتهر بحرفة التلي، وهي نوع من التطريز اليدوي باستخدام خيوط معدنية دقيقة.

من حرير أخميم إلى كسوة الكعبة حكاية حرفة مصرية عريقة تقاوم الاندثار

تمثل هذه الحرفة التراثية مصدر دخل رئيسيًا للعديد من السيدات في الجزيرة، وقد شهدت خطوة مهمة لحمايتها عبر تسجيل العلامة التجارية لحرفة التلي بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية والمجلس القومي للمرأة، والخطوة تهدف إلى حماية الحرفة من التقليد وتعزيز فرص تسويقها عالميًا.

تحديات اقتصادية تهدد الصناعة

رغم عراقة هذه الحرف، فإنها تواجه تحديات كبيرة منذ عام 2011، أبرزها:

  • ارتفاع أسعار المواد الخام

  • زيادة تكلفة الإنتاج

  • ارتفاع سعر الدولار

  • نقص العمالة الماهرة

ويصل متوسط تكلفة المتر الواحد من الحرير إلى نحو 400 جنيه تقريبًا، ما يضغط على قدرة الحرفيين على الاستمرار في الإنتاج والمنافسة.

كما أن محاولات إعادة إنتاج الحرير الطبيعي داخل مصر واجهت صعوبات بسبب عدم ملاءمة المناخ لتربية دودة القز، وهو ما يزيد الاعتماد على الخامات المستوردة.

خطوات حكومية لدعم الحرف التراثية

تعمل محافظة سوهاج على دعم الحرف التقليدية عبر عدة مبادرات تهدف إلى تطوير الإنتاج وتسويق المنتجات، من بينها:

معرض دائم للحرف اليدوية

تم إنشاء معرض دائم لتسويق المنتجات الحرفية في حي الكوثر، ليكون منصة عرض مستمرة لمنتجات النسيج والتلي والحرف اليدوية على مدار العام، كما تشارك هذه المنتجات في معارض وطنية بارزة مثل:

  • معرض تراثنا

  • معرض ديارنا

دعم التسويق والتدريب

تشمل الإجراءات الداعمة أيضًا:

  • التسويق الإلكتروني عبر منصة منصة أيادي مصر

  • فتح قنوات اتصال مع المستثمرين لدعم التمويل

  • توفير قروض صغيرة ومتناهية الصغر للحرفيين

  • تدريب العمالة الشابة على الحرف التقليدية

  • تطوير تصميمات جديدة للحفاظ على التراث مع مواكبة الأسواق

كما يجري التعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا للعمل على إنتاج خيوط التلي محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

حرفة تقاوم الاندثار

رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا يزال حرفيو أخميم وجزيرة شندويل يتمسكون بحرفتهم التي توارثوها عبر الأجيال، فالمنسوجات اليدوية، كما يؤكد الحرفيون، تحمل روحًا فنية وقيمة تراثية لا يمكن للماكينات الحديثة أن تحل محلها.

ومع تزايد الاهتمام الحكومي بتطوير التكتلات الصناعية والحرفية في صعيد مصر، تبدو هذه الصناعات أمام فرصة جديدة للعودة بقوة إلى الأسواق المحلية والدولية.