طرح 500 مستشفى حكومي للاستثمار في مصر يثير جدلًا واسعًا حول مستقبل حق العلاج
في وقت تتزايد فيه الأمراض المزمنة وترتفع تكلفة العلاج إلى مستويات غير مسبوقة، تفجّر قرار طرح إدارة نحو 500 مستشفى حكومي أمام القطاع الخاص جدلًا واسعًا في مصر، بين وعود الحكومة بتطوير الخدمات وتحذيرات الأطباء من “تجاريّة الصحة”، يقف المواطن البسيط أمام سؤال مصيري، هل يبقى العلاج حقًا دستوريًا أم يتحول إلى مشروع استثماري؟
قانون جديد يفتح الباب أمام المستثمرين
أثار تطبيق القانون رقم 87 لسنة 2024 موجة من النقاش في الأوساط الطبية والسياسية، بعد أن سمح بإسناد إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص، سواء للمستثمرين المصريين أو الأجانب.
وقال الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، إن الهدف من القانون هو تطوير المستشفيات وتحسين جودة الخدمات الطبية عبر الاستفادة من خبرات القطاع الخاص، دون إعلان جدول زمني واضح لطرح هذه المستشفيات للاستثمار، لكن التطبيق العملي أثار بالفعل شكاوى من بعض المرضى، من بينها:
-
تأخر صرف بعض الأدوية على نفقة الدولة
-
تقليص عدد جلسات العلاج الكيماوي في بعض الحالات
-
زيادة الضغط على المستشفيات الكبرى
هذه المؤشرات فتحت باب التساؤل حول انعكاسات القرار على الفئات الأكثر احتياجًا.
الرعاية الأولية الحلقة الأضعف في النظام الصحي
تمثل وحدات الرعاية الصحية الأولية الخط الأول في أي نظام صحي فعال، لكنها في مصر تعاني من:
-
نقص واضح في الأطباء
-
ضعف التجهيزات الطبية
-
محدودية الخدمات في القرى والمناطق النائية
ويؤدي ذلك إلى اضطرار المرضى لقطع مسافات طويلة للحصول على العلاج، ما يزيد الضغط على المستشفيات العامة ويضاعف معاناة المرضى محدودي الدخل.
ويؤكد خبراء الصحة العامة أن تقوية الرعاية الأولية يمكن أن يقلل الضغط على المستشفيات بنسبة تصل إلى 40% في بعض الأنظمة الصحية العالمية.
جذور الخصخصة في القطاع الصحي المصري
بدأت فكرة إشراك القطاع الخاص في إدارة الخدمات الصحية منذ تسعينيات القرن الماضي ضمن سياسات تحرير الاقتصاد.
وفي عام 2007 أصدر مجلس الدولة حكمًا اعتبر فيه الرعاية الصحية حقًا دستوريًا لا يجوز التنازل عنه، لكن الضغوط الاقتصادية وتزايد الدين العام أعادا طرح فكرة إشراك المستثمرين في إدارة بعض المنشآت الصحية.
وخلال السنوات الأخيرة، دخلت شركات استثمارية كبرى إلى قطاع الصحة، ما أثار مخاوف بشأن:
-
ارتفاع أسعار الخدمات الطبية
-
ضعف قدرة نظام التأمين الصحي الشامل على تغطية التكاليف
-
احتمالات احتكار بعض الخدمات الطبية
تحذير طبي: خصخصة الصحة تهدد المواطنين
الدكتور محمد عز العرب، المستشار الطبي للجمعية المصرية للحق في الدواء، وصف نقل إدارة نسبة كبيرة من القطاع الصحي إلى القطاع الخاص بأنه خطوة غير مقبولة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الخدمات الطبية.
وأوضح أن الدستور المصري ينص بوضوح على أن الدولة مسؤولة عن صحة المواطنين، مشددًا على أن هذا الالتزام يشمل العلاج والرعاية الصحية والتوعية الطبية.
وأشار إلى أن الحل الحقيقي يكمن في توسيع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل التي بدأت في عام 2018 وتوسعت لاحقًا في عدة محافظات، مع خطة حكومية لتعميمها على مستوى الجمهورية بحلول 2030.
كما حذر من التوسع في الاستثمار الأجنبي داخل القطاع الصحي، معتبرًا أن ذلك قد يحمل أبعادًا تتعلق بالأمن القومي الصحي.
الأطباء: المستثمر يبحث عن الربح أولًا
من جانبه، حذر الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، من أن تحويل إدارة المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص قد يضع المواطن البسيط في مواجهة تكاليف علاج أعلى.
وقال إن المستثمر بطبيعته يسعى لتحقيق الربح، وهو أمر طبيعي في أي مشروع استثماري، لكن الخطر يكمن في أن يصبح المريض هو من يدفع ثمن هذه الأرباح، وأكد أن الاستثمار الحقيقي في الصحة يجب أن يتم عبر:
-
إنشاء مستشفيات جديدة
-
إدخال خدمات طبية إضافية
-
تطوير البنية التحتية الصحية
وليس عبر إدارة منشآت حكومية قائمة تخدم ملايين المواطنين.
البرلمان يطالب بضوابط صارمة
في المقابل، أكدت النائبة إيرين سعيد عضو مجلس النواب أن تطوير القطاع الصحي ضرورة ملحّة، لكن يجب أن يتم ضمن ضوابط صارمة تضمن حماية حق المواطنين في العلاج، وشددت على ضرورة تحقيق توازن بين:
-
جذب الاستثمارات
-
الحفاظ على العدالة الصحية
-
ضمان استمرار الخدمات بأسعار مناسبة
كما أكدت أن البرلمان يراقب هذا الملف عن قرب لضمان عدم المساس بحقوق المرضى أو الطواقم الطبية.
بين التطوير والاستثمار مستقبل الصحة في مصر
يبقى الجدل قائمًا بين اتجاهين رئيسيين:
- الاتجاه الأول: يرى أن إشراك القطاع الخاص قد يرفع كفاءة الإدارة ويطور البنية التحتية الطبية.
- الاتجاه الثاني: يحذر من أن يؤدي ذلك إلى تحويل العلاج إلى خدمة تجارية لا يستطيع الفقراء تحمل تكلفتها.
ومع طرح 500 مستشفى حكومي أمام الاستثمار، تبدو مصر أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحقيق معادلة صعبة بين التطوير الاقتصادي والعدالة الصحية.
