بشكاتب

عودة 80% من اللاجئين السوريين… بين الواقع السياسي وشروط الإعمار هل تتحقق المعادلة الصعبة؟

الأربعاء 1 أبريل 2026 03:17 مـ 13 شوال 1447 هـ
أحمد الشرع وفريدريش ميرتس
أحمد الشرع وفريدريش ميرتس

هل يمكن أن يعود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى وطنهم خلال سنوات قليلة؟ تصريحات متباينة بين دمشق وبرلين تفتح باب التساؤل حول واقعية الأرقام، وتضع ملف العودة في قلب معادلة معقدة، الأمن، الاقتصاد، وإعادة الإعمار.

سياق التصريحات من قال ماذا ولماذا الآن؟

في مشهد سياسي لافت، أثارت تصريحات الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع خلال فعالية في لندن جدلاً واسعًا حول مستقبل اللاجئين السوريين في أوروبا، وخاصة في ألمانيا التي تستضيف أكثر من 900 ألف سوري.

الشرع سارع إلى تصحيح ما وُصف بأنه "تصريح منسوب إليه"، مشيرًا إلى أن الحديث عن عودة 80% من السوريين في ألمانيا لم يكن قوله المباشر، بل نُقل عن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وهذا التوضيح يعكس حساسية الملف، خصوصًا في ظل الضغوط السياسية الداخلية في أوروبا بشأن الهجرة.

لكن اللافت أن الشرع لم ينفِ الرقم تمامًا، بل أعاد صياغته ضمن إطار مشروط إذا توافرت الظروف المناسبة، يمكن أن يعود 80% من اللاجئين.

عودة مشروطة ماذا تعني "الظروف المناسبة"؟

تصريحات الشرع لم تكن مجرد نفي أو تصحيح، بل تضمنت خريطة طريق واضحة، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

1. إعادة الإعمار كشرط أساسي

الشرع ربط العودة بشكل مباشر بعملية إعادة إعمار سوريا، وهي عملية تُقدّر تكلفتها بمئات المليارات من الدولارات، بدون بنية تحتية أساسية كالكهرباء، المياه، الإسكان تصبح العودة غير واقعية.

2. توفير فرص العمل

أحد أبرز العوامل النفسية والاقتصادية التي تمنع العودة هو غياب فرص العمل، واللاجئ الذي بنى حياة نسبية في ألمانيا لن يعود إلى بيئة بلا دخل مستقر، لذلك، شدد الشرع على ضرورة خلق اقتصاد قادر على الاستيعاب.

3. جذب الاستثمارات الأجنبية

من دون دخول الشركات الأجنبية، يصعب تحقيق نمو اقتصادي سريع، وهذا الشرط يعكس إدراكًا بأن الحل ليس داخليًا فقط، بل يعتمد على انفتاح دولي واستقرار سياسي.

بين برلين ودمشق اختلاف في الخطاب أم في الرؤية؟

المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان قد أعلن هدفًا طموحًا، إعادة 80% من السوريين خلال ثلاث سنوات، وهذا الرقم يعكس ضغوطًا سياسية داخل ألمانيا، حيث أصبحت قضية الهجرة أحد أبرز ملفات الجدل العام.

لكن التراجع النسبي في التصريحات حين قال ميرتس لاحقًا إن الرقم “ذُكر من قبل الرئيس السوري ونحن ندرك حجم التحدي”، يكشف عن فجوة بين الطموح السياسي والواقع التنفيذي.

هذه الفجوة يمكن تفسيرها بثلاث نقاط:

  • الاعتبارات الانتخابية في أوروبا تدفع نحو طرح أرقام كبيرة

  • الواقع السوري لا يزال هشًا أمنيًا واقتصاديًا

  • اللاجئ نفسه أصبح فاعلًا في القرار وليس مجرد رقم في إحصائية

البعد النفسي هل يريد اللاجئون العودة أصلًا؟

بعيدًا عن السياسة، هناك عامل حاسم غالبًا ما يتم تجاهله، سلوك اللاجئ نفسه، وتشير دراسات الهجرة إلى أن قرار العودة لا يعتمد فقط على الظروف في البلد الأصلي، بل أيضًا على مستوى الاندماج في البلد المضيف، وفي حالة السوريين في ألمانيا:

  • نسبة كبيرة تعلمت اللغة واندمجت في سوق العمل

  • الأطفال التحقوا بالمدارس الألمانية

  • شبكات اجتماعية جديدة تشكلت

هذا يعني أن العودة ليست مجرد “خيار متاح”، بل قرار معقد نفسيًا واجتماعيًا.

هل الرقم 80% واقعي؟

تحليليًا، يبدو رقم 80% طموحًا جدًا في المدى القصير (3 سنوات)، لعدة أسباب:

  • تجارب دول أخرى (مثل العراق وأفغانستان) أظهرت أن نسب العودة الطوعية نادرًا ما تتجاوز 30–40% خلال عقد كامل

  • إعادة الإعمار في سوريا لم تصل بعد إلى مستوى يسمح بعودة جماعية

  • غياب ضمانات أمنية كاملة في بعض المناطق

لكن على المدى الطويل، ومع تحقق الشروط التي ذكرها الشرع، قد يصبح الرقم أقرب إلى الواقع ليس كسياسة مفروضة، بل كنتيجة طبيعية لتحسن الظروف.

معادلة معقدة لا تُختزل في رقم

تصريحات الشرع تكشف عن مقاربة أكثر واقعية مقارنة بالخطاب السياسي الأوروبي، فبدلًا من التركيز على الأرقام، يضع الشروط، اقتصاد، استقرار، تنظيم، الرسالة الأساسية واضحة (العودة ليست قرارًا سياسيًا يُفرض، بل عملية تدريجية تُبنى على الثقة والفرص).