بشكاتب

بين مطرقة ”الجبايات“ وسندان ”الدولار“: لماذا تنطفئ أضواء عدن التجارية وتُغلق المشروعات أبوابها؟

الأربعاء 15 أبريل 2026 10:06 صـ 27 شوال 1447 هـ
تنطفئ أضواء عدن التجارية وتُغلق المشروعات أبوابها - صورة خاصة لـ بشكاتب
تنطفئ أضواء عدن التجارية وتُغلق المشروعات أبوابها - صورة خاصة لـ بشكاتب

تستيقظ عدن كل يوم على إيقاع إغلاق جديد؛ صروح تجارية كانت بالأمس نبض المدينة تتحول اليوم إلى لافتات "للإيجار"، ليست مجرد أزمة عابرة، بل زلزال اقتصادي تضربه ثلاثية قاتلة، إيجارات بالعملة الصعبة، وقود يحرق الأرباح، وقدرة شرائية لفظت أنفاسها الأخيرة، ما يضع مستقبل العاصمة المؤقتة على حافة ركود غير مسبوق.

تسونامي الإغلاقات: حين تنهار "أيقونات" عدن التجارية

لم تكن حادثة إغلاق مركز "نيوفيجن" للإنترنت والبيتزا في مديرية المنصورة مجرد خبر عابر تداوله الناشطون، بل كانت جرس إنذار هزّ الأوساط الاقتصادية في المدينة، وهذا المشروع، الذي صمد لسنوات وشكّل وجهة مفضلة للشباب والعائلات، سقط أمام أرقام تشغيلية مرعبة لا تستوعبها لغة المنطق التجاري.

تتحدث الأرقام عن تكاليف خيالية؛ فإيجار شهري يناهز $6,500، يُضاف إليه فاتورة ديزل للمولدات تصل إلى 50 ألف ريال سعودي، وكهرباء مماثلة، يعني أن المشروع يحتاج لتوليد إيرادات ضخمة فقط لتغطية "نقطة التعادل" قبل تحقيق ريال واحد من الربح، وعندما تعجز الأيقونات التجارية عن الصمود، فإن الرسالة الموجهة للمشاريع الناشئة والصغيرة هي "البقاء للأقوى مالياً، وليس للأكفأ تجارياً".

سيكولوجية السوق: المستهلك العدني في وضع "الاستعداد للأسوأ"

تعاني الأسواق في عدن مما يسمى في علم النفس الاقتصادي "انكماش التوقعات"، فلم يعد المواطن ينظر إلى دخله على أنه وسيلة لتحسين جودة الحياة، بل كأداة للبقاء على قيد الحياة.

  • انحسار السلع الكمالية: محلات الملابس، المقاهي، والمطاعم السياحية هي أول ضحايا هذا التحول، ويمر المستهلك اليوم بمرحلة "الفلترة القاسية"، حيث يتم شطب كل ما ليس "قمحاً أو دواءً".

  • ظاهرة "الفرجة" بلا شراء: كما يقول "أبو خالد"، صاحب محل ملابس، أصبح الزبون يمارس سياحة التسوق بالنظر فقط، والفجوة بين الأجور المرتبطة بالريال اليمني المنهار والأسعار المرتبطة بالعملات الصعبة خلقت حاجزاً نفسياً ومادياً يمنع إتمام عملية البيع.

فخ الإيجارات: عقارات تُسعّر بالدولار وسوق تبيع بالريال

تُعد أزمة الإيجارات في عدن "الثقب الأسود" الذي يبتلع السيولة النقدية للمشاريع، وفي ظل غياب قانون يحمي المستأجر التجاري أو ينظم سقف الارتفاعات، تحول ملاك العقارات إلى لاعبين يفرضون شروطهم بالعملة الصعبة (الدولار أو الريال السعودي).

هذا التفاوت في العملات يخلق ضغطاً يومياً على صاحب المشروع؛ فهو يبيع بضاعته بالريال اليمني الذي يفقد قيمته كل ساعة، بينما عليه تدفيع التزاماته الثابتة بعملة مستقرة وقوية، وهذا الخلل البنيوي يؤدي إلى تآكل رأس المال العامل (Working Capital) تدريجياً حتى يجد التاجر نفسه عاجزاً عن توريد بضاعة جديدة، ومن ثم الإغلاق القسري.

أزمة الوقود: الضريبة المخفية على كل رغيف وقطعة قماش

الكهرباء في عدن ليست مجرد خدمة، بل هي عصب التكلفة الإنتاجية، ومع الانقطاعات المتكررة، أصبحت المولدات الخاصة هي الحل الوحيد، لكنه حل "انتحاري" اقتصادياً.

  1. تكلفة النقل: كل ارتفاع في أسعار الديزل يتبعه ارتفاع آلي في تكاليف الشحن من الموانئ إلى المستودعات ومنها إلى المحلات.

  2. التشغيل المباشر: المخابز، الورش، والمصانع الصغيرة تعتمد كلياً على الوقود، وعندما يصل سعر اللتر إلى مستويات قياسية، يجد صاحب العمل نفسه أمام خيارين إما رفع السعر (وبالتالي فقدان الزبائن) أو تحمل الخسارة (وبالتالي الإفلاس).

المشروعات الصغيرة العمود الفقري الذي ينكسر

تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 80% من النشاط التجاري في عدن، انهيار هذا القطاع لا يعني خسارة أرباح التجار فحسب، بل يعني:

  • تسريح جماعي للعمالة: فقدان آلاف الشباب لوظائفهم، مما يغذي معدلات الفقر والجريمة والاضطرابات الاجتماعية.

  • تآكل الوعاء الضريبي: إغلاق المحلات يعني تراجع إيرادات الدولة، مما يضعف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، في حلقة مفرغة لا تنتهي.

الجبايات والرسوم: العبء الذي قصم ظهر البعير

إلى جانب التكاليف الطبيعية، يشتكي أصحاب المشاريع من تعدد الجهات التي تفرض جبايات ورسوماً تحت مسميات مختلفة (تراخيص، واجبات، ضرائب، رسوم نظافة)، وفي ظل ركود البيع، تصبح هذه المبالغ عبئاً غير محتمل، خاصة وأنها لا تقابلها خدمات حقيقية تحسن من بيئة الأعمال.

هل هناك مخرج من النفق؟

إن الوضع في عدن يتجاوز كونه أزمة محلية؛ إنه انعكاس لفشل السياسات النقدية وغياب الرقابة على الأسواق، وإن استمرار هذا النهج سيحول شوارع عدن التجارية إلى "مدن أشباح" اقتصادية، والحلول العاجلة المطلوبة:

  • تثبيت سعر صرف خاص للمدخلات الأساسية (وقود، قمح).

  • إصدار قانون طوارئ ينظم الإيجارات التجارية ويمنع طرد المستثمرين أو رفع الإيجارات بشكل عشوائي.

  • إعفاءات ضريبية مؤقتة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لضمان بقائها.