بشكاتب

سارة عبد العزيز تكتب لـ بشكاتب: روح السيدة الكومبارس

الثلاثاء 28 أبريل 2026 10:08 مـ 11 ذو القعدة 1447 هـ
سارة عبد العزيز
سارة عبد العزيز

تلك الروح التائهة ما بين هنا وهناك.. كما مشهد قديم فقد ملامحه بعد الترميم.. تحوم حائرة بين أروقة البيت.. يا لها من مناجاة تعسة لروح صامتة حزينة.. ماذا تبغى مني بعد خلاصها بنعمة اليقين؟! أهو الحزن بعد هجر حبيب؟ أم فرقة الأهل؟! أم هو خفقان القلب في آخر أيام التشبث بالحياة؟

قصة المخرجة سارة عبد العزيز لـ بشكاتب

كما هي الحالة دائمًا مع الأشباح، كانت تداهمني بشيء من خفة الظل والمداعبة.. تنقل أشيائي من أماكنها.. تعبث في خزائني.. وقد أشعر بملابسي دافئة على غير عادة.. وكأن أحدهن ارتداه قبلي للتو..

كانت لها أوقاتها الشجية، تنسج لي زهرية غنية بألوان فرحتها، نسجتها لورود ربما قطفتها من الجنة، تحملها إلى هنا في هذا المنزل الرخامي البارد.. الذي قاست فيه عذاب الوحدة والنكران مثلي تمامًا..

كانت قبل أن تتخذ قرارها الحتمي بالرحيل ومغادرة هذا العالم، اعتادت على تمثيل الأدوار الثانوية التي تفتقد للمعنى والإحساس، بعد أن هجرها حلمها على خشبات مسارح الدولة، وارتشفت قهوتها الحزينة في مقاهي استراحات المسرح بطعم مرارة الانتظار والتجاهل والخذلان..

وفي أوقات أخرى شحيحة، كانت تزورها البهجة بأدوار صغيرة عابرة...

وعلى الجهة الأخرى، تلك الأستديوهات الخاصة بمداعباتها ومساوماتها وانحدار قيمتها.. أي فرحة هذه بالمساحيق الرخيصة والملابس الضيقة ذات الأقمشة الصناعية الخانقة؟! أي وهم واعد بأمل جديد رغم الفوضى الرخيصة التي زادتها الأيام من مرارة الكآبة والوحدة..

وكباقي السنوات الضائعة، لم تفلت من المساومات الذكورية رغم جمالها المتواضع وروحها البائس...

آه من ذلك الحلم الزائف الموجع.. وانسحابها في شقتها البعيدة في إحدى المدن الجديدة.. مدينة أكتوبر الباردة بأرواحها المفعمة بالثلج..

أشعر أنا الآن بملامسة قدميها للبلاط فور استيقاظها هنا، بوجودها الشبحي الرقيق، وهناك حالمة بمغادرة الزمن وخيبة الرجاء..

خائرة الجسد والعقل، فرط شدة البؤس وضيق الحال! والحلم الذي لا يجيء أبدًا.. والأهل الذين لم تعلم عنهم شيئًا منذ وقت طويل.. كل الأشياء هجرتها..

آن الأوان لأخذ قرارها المؤجل بالموت.. موت كومبارس لن يمثل بفارق كبير وسط هذا الضجيج العظيم.. وسط أحداث هذا الفيلم الرديء..

في هدوء فارقت الحياة بجسد بارد وروح هزيل.. حتى المساحيق فوق وجهها جمدتها البرودة.. المدينة الخرسانية الكبيرة أصبحت قبرًا لوحدتها وآلامها..

موسيقى حزينة أتت من المذياع معلنة ميلاد يوم جديد، غابت فيه الكومبارس عن الحياة.. أما اليوم فعادت، ربما تأبى الرحيل..

ظلت الروح هائمة.. ماذا تريد مني أيتها المسكينة بمفارش الزهر هذه؟ هل هي زهور قطفت من العالم الآخر؟؟

أم أنها تلك الأزهار التي جاءت في حلمك.. الملقاة من أيادٍ فرحة بينما أنتِ على خشبة المسرح تؤدين دور البطولة؟!

أتكون هي الأزهار التي تنسجينها لي في بيتنا هذا ما بين عالمين؟!