بشكاتب

لغز الـ 7 مليارات جنيه.. كيف كشفت رقية طالبة بني سويف عورات التغذية المدرسية؟

الأربعاء 6 مايو 2026 09:34 صـ 19 ذو القعدة 1447 هـ
رقية طالبة بني سويف
رقية طالبة بني سويف

لم تكن "رغيفين وكيس فول" مجرد وجبة غداء بسيطة لطالبة في مقتبل العمر بمحافظة بني سويف، بل كانت الفتيل الذي أشعل غضباً شعبياً وبرلمانياً لم ينطفئ بعد، من داخل فصل دراسي بإدارة إهناسيا، خرجت صرخة كرامة أعادت فتح ملف التغذية المدرسية على مصراعيه، لتتحول واقعة رقية من مشهد "تنمّر" إداري إلى قضية أمن قومي غذائي تتعلق بمستقبل 23 مليون تلميذ.

دموع "رقية" تزيح الستار عن المسكوت عنه

في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية لبناء "الإنسان" كركيزة للجمهورية الجديدة، جاءت واقعة طالبة بني سويف لتدق ناقوس الخطر حول الفجوة بين "الأرقام المليارية" في الموازنة وبين "الواقع المر" داخل الفصول، حين سأل وكيل وزارة التربية والتعليم ببني سويف الطالبة رقية عما تحمله في حقيبتها، لم يكن يتوقع أن إجابتها العفوية ستتحول إلى "تريند" يزلزل كراسي المسؤولين، ويطرح السؤال الصعب، إذا كانت الدولة تخصص 7 مليارات جنيه للتغذية، فلماذا تضطر رقية وغيرها لحمل "كيس فول"؟

واقعة بني سويف.. حين تنكسر الكرامة على عتبة الفصل

بدأت القصة بموقف وُصف بـ "غير التربوي" من قبل الدكتور محمود الفولي، وكيل وزارة التربية والتعليم ببني سويف، تجاه الطالبة رقية، ورغم محاولات الاحتواء اللاحقة والزيارات المنزلية وتأكيدات "الفولي" على أن كرامة الطالب أولوية، إلا أن منصات التواصل الاجتماعي لم تغفر للمسؤول طريقته في استجواب طفلة عن طعامها البسيط.

هذا الجدال لم يتوقف عند حدود "الجبر النفسي"، بل فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول جدوى منظومة التغذية المدرسية، فإذا كان المسؤول يتفقد ما يأكله الطلاب، فهل هذا اعتراف ضمني بأن الوجبة المدرسية الرسمية غائبة أو غير كافية؟

لغة الأرقام.. 7 مليارات جنيه والنتيجة "وجبة واحدة"؟

في موازنة العام المالي 2026-2027، أعلنت وزارة المالية عن تخصيص مبلغ ضخم يصل إلى 7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية، وهذا الرقم ليس مجرد خانة في جدول، بل هو استحقاق دستوري وإنساني يستهدف:

  • توفير ما يقرب من 660 مليون وجبة سنوياً.

  • استهداف حوالي 19.5 مليون طالب في مرحلة التعليم الأساسي.

  • تكلفة الطالب الواحد تبلغ نحو 644 جنيهاً في العام (وفقاً للبيانات الرسمية).

لكن الصدمة جاءت من تقارير إعلامية وشهادات أولياء أمور، حيث كشف الإعلامي محمد علي خير عن مفارقة صارخة؛ فبقسمة الميزانية على عدد الطلاب (الذي يقدره البعض بنحو 23 مليوناً)، نصيب التلميذ لا يتجاوز 300 جنيه سنوياً، والأدهى من ذلك، هو ما نقله عن أولياء أمور بأن أبناءهم حصلوا على "وجبة واحدة فقط" منذ بداية العام الدراسي ثم توقف التوزيع.

زلزال تحت القبة.. البرلمان يسائل الحكومة

لم يمر الأمر مرور الكرام برلمانياً، حيث تقدم النائب أحمد بلال البرلسي بطلب إحاطة عاجل، و"البرلسي" لم ينظر لواقعة رقية كحدث فردي، بل اعتبرها "عرضاً لمرض مزمن"، وتساءل بوضوح: أين تذهب أموال التغذية المدرسية؟ وكيف نضمن وصول البسكويت واللبن المدعم إلى مستحقيه في القرى والنجوع بعيداً عن أعين الرقابة المركزية؟

النائب أحمد بلال البرلسي

وتركزت مطالب البرلمان على ضرورة وجود رقابة صارمة على "سلاسل التوريد"، والتأكد من أن الوجبة التي تُصرف قيمتها من خزينة الدولة تصل فعلياً إلى يد الطالب، وليست مجرد أرقام على ورق الصرف الإداري.

تشريح الوجبة المدرسية.. ماذا يأكل أبناؤنا؟

وفقاً للمصادر المسؤولة، تقتصر المنظومة الحالية على طلاب التعليم الأساسي (رياض أطفال وابتدائي وإعدادي)، وتستبعد طلاب الثانوي، وتتكون الوجبات من:

  1. رياض الأطفال: باكو بسكويت بالعجوة (80 جم) + باكو بسكويت سادة (40 جم) بتكلفة تقديرية للوجبة تبلغ 12.375 قرشاً.

  2. التعليم الأساسي: تتنوع بين بسكويت بالعجوة، سادة، أو "ويفر"، مع توجيهات مشددة بتوزيعها يومياً لتحسين التركيز والقدرة الذهنية.

ويشير التحليل هنا إلى أن الوجبة رغم قيمتها الغذائية، إلا أنها تواجه تحديات في "الاستدامة"، فالتوزيع اليومي يتطلب لوجستيات ضخمة، وأي خلل في سلسلة التوريد يعني حرمان ملايين الأطفال من مصدر طاقة أساسي خلال يومهم الدراسي.

بني سويف من جديد.. اجتماع عاجل وتطهير للمنظومة

تحت ضغط واقعة رقية، شهدت مديرية التربية والتعليم ببني سويف اجتماعاً طارئاً للجنة التغذية المحلية، ضم قيادات صحية ومالية، والاجتماع لم يكن روتينياً هذه المرة، بل كان "جلسة حساب"، وتم استعراض خطط تحسين جودة الوجبات، وتعزيز الرقابة الصحية لمنع تكرار أي حالات تسمم أو توريد منتجات غير مطابقة للمواصفات.

ما وراء "كيس الفول".. هل ننتظر "رُقية" جديدة؟

الأزمة الحقيقية التي فجرتها طالبة بني سويف هي أزمة "ثقة"، والثقة في قدرة الجهاز الإداري على تحويل المليارات إلى "لقمة مشبعة" للطلاب، وهناك مقترحات برلمانية تلوح في الأفق بضرورة ضم طلاب المرحلة الثانوية للمنظومة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، باعتبارهم في مرحلة نمو حرجة.

الخلاصة، أن واقعة رقية لم تكن مجرد تريند عابر، بل كانت "كشف حساب" لوزارة التربية والتعليم، فـ 7 مليارات جنيه كفيلة بصناعة أجيال صحيحة بدنياً، إذا ما وُجدت الإرادة الحقيقية والرقابة الفاعلة التي تمنع وصول هذه المخصصات إلى "ثقوب البيروقراطية" السوداء.