ماجدة موريس تكتب لـ بشكاتب: من المسرح إلى الثقافة المصرية.. هل هذا ممكن الآن؟
مقال يستغيث فيه كاتبه بوزارة الثقافة بسبب مسرحية ذهب إليها مع أطفاله، فوجدها أروع مما توقع، إذ قدمت للطفل صورة عن مصر وحضارتها بأسلوب جميل وجذاب، وكتابة أخرى عن مسرحية تُعرض ثلاث مرات أسبوعيًا، ولا مكان فيها لقدم من فرط قوتها وإبداع العاملين عليها، وكتابة ثالثة عن أغاني هاني شاكر التي لم تُعرض يومًا إلا بعد رحيله... إلخ، والسؤال الآن:
هل تستطيع وزارة الثقافة حل هذا؟ وهل تقدر الوزيرة الجديدة، أو أي وزير غيرها، على التعامل مع علاقة الثقافة بالمواطنين بأسلوب يلائم الأغلبية؟
الموضوع ليس جديدًا، وإنما له آثار ممتدة في العلاقة بين الثقافة والإعلام. ولهذا لا نرى حتى الآن – في عام 2026 – سوى خمسة أو ستة عروض مسرحية من زمن الخمسينيات والستينيات تتكرر في كل أعيادنا، صحيح أنها حققت نجاحًا كبيرًا في وقتها، خاصة مع وجود الفنان الكبير عادل إمام ومجموعة من أشهر نجوم الكوميديا، إلا أننا بعد ستين أو سبعين عامًا أصبحنا بحاجة إلى مسرحيات أخرى تناسب زمنًا مختلفًا، بأفكار وأساليب أخرى في التعامل مع الحياة، وبالتالي مع الفن.
لكن هذا لا يحدث، المسرح تغيّر، والأفكار تغيّرت، والكتاب والمخرجون والنجوم أيضًا، لكن الفكر لم يتغير. وأقصد هنا فكر مؤسسات الدولة فيما يتعلق بالثقافة والإعلام، فلا المسرحيات تذهب إلى المحافظات ليظل المسرح المصري قويًا وممتدًا، ولا تصل إلى المواطن عبر شاشات التليفزيون المصرية المتعددة.
وليست المشكلة في المسرحيات الجديدة فقط، بل لا توجد برامج تقدم للناس هذا الفن العظيم بجماله ومصداقيته.
أين ذهبت البرامج؟
إن تاريخ الأوبرا العظيم لم يصنعه الكلام، وإنما صنعه الاهتمام عبر برامج أسست معرفة ومحبة المواطن لهذا الفن، مثل برنامج "الموسيقى العربية"، الذي انتظرناه طويلًا مساء الخميس لنستمتع بتقديم الدكتورة رتيبة الحفني لأفضل القصائد والأغنيات والمقطوعات الموسيقية.
كما كانت هناك برامج للموسيقى الغربية، وفن الباليه، والمسرح المصري والعالمي، والسينما المصرية، وأفلام من مختلف دول العالم، وبرامج للأفلام القصيرة، وكان تليفزيوننا حاضرًا في أهم مهرجانات السينما العالمية كل عام.
أما محبو الأدب، فكانوا يجدون برامج تناقش كبار الأدباء وتقدم مسيرة الأدب المصري، كل هذا اختفى من شاشاتنا، دون أن تعوضه برامج أخرى.
وعندما نتوقف أمام هذه المعضلة نجد أنها تبدو مرتبطة بإدارة القنوات نفسها، لكنها في الحقيقة تخص الثقافة المصرية أولًا، والتراث الفني العريق لهذا البلد، وتخص كل مواطن مهما بلغ عمره، وعلى رأسهم الأطفال، الذين لم يعودوا يجدون ما يضيف إلى ذائقتهم أو يرتقي بها من خلال عرض الأعمال الفنية ومناقشتها.
وهو ما كان يفعله فريق من الإعلاميين المحبين للثقافة، مثل يوسف شريف رزق الله، وفاروق شوشة، وسناء منصور، ودرية شرف الدين وغيرهم.
إنها أزمة مزدوجة بين الثقافة والإعلام، أو بين المسؤولين هنا وهناك، وربما تكون أزمة إمكانيات. ولكن: أي إمكانيات يمكن أن تقف حائلًا أمام تقديم الثقافة المصرية لشعبها؟
وهل يمكن مقارنة ما تنفقه القنوات التلفزيونية على إنتاج أو شراء المسلسلات الدرامية، بتكاليف تقديم برامج ثقافية مهمة وجاذبة؟
إننا بهذا ندفع الثقافة المصرية، في تجلياتها الجديدة وأجيالها الجديدة من المبدعين، نحو الإهمال الشديد والموت البطيء، في وقت تتزاحم فيه الثقافات القادمة من الخارج عبر الإنترنت، وهو تزاحم يسعده بالطبع جذب الشعب المصري وإبعاده عن تاريخه الثقافي العريق.
فهل يستمر الأمر هكذا؟ وهل يراجع الإعلام التلفزيوني نفسه ويدخل في شراكة مع الثقافة يحتاج إليها مجتمعنا بشدة؟ وهل يمكن عقد هذه المصالحة بين الثقافة والإعلام في مصر، حتى لا يكره الكثيرون التجول بين القنوات بحثًا عن حفل غنائي، أو فيلم مختلف، أو مسرحية حديثة، أو برنامج للأطفال قادر على جذبهم؟ هل هذا ممكن الآن؟
