بشكاتب

معاناة كبار السن مع التحول الرقمي في مصر: تحذيرات برلمانية ومطالب بالعدالة الرقمية

الجمعة 15 مايو 2026 02:47 صـ 27 ذو القعدة 1447 هـ
السيستم وأصحاب المعاشات
السيستم وأصحاب المعاشات

في قلب معركة التحديث، يجد ملايين المتقاعدين أنفسهم وجهاً لوجه أمام شاشات صامتة وتطبيقات لا ترحم؛ فبينما تركض الدولة نحو الرقمنة، يهرول كبار السن خلف "كود" تائه أو "شبكة" ضعيفة، لتتحول التكنولوجيا من طوق نجاة إلى جدار عازل يهدد أبسط حقوقهم الإنسانية.

هل يلفظ التحول الرقمي كبار السن في مصر؟

تشهد أروقة مجلس النواب المصري حالة من الاستنفار البرلماني لمواجهة تداعيات التحول الرقمي على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وتحديداً كبار السن وأصحاب المعاشات، ففي الوقت الذي تضع فيه الدولة "مصر الرقمية" على رأس أولوياتها، تصاعدت التحذيرات من أن يتحول هذا الطموح إلى "عبء يومي" يستنزف طاقة المواطن البسيط، وسط مطالبات بضرورة إقرار "عدالة رقمية" تراعي التفاوت العمري والثقافي بين فئات الشعب المصري.

صرخة برلمانية: 11.5 مليون صاحب معاش في مهب "الأعطال التقنية"

لم يكن حديث النائب أشرف أمين، عضو لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، مجرد انتقاد عابر، بل كان تجسيداً لمعاناة حقيقية يعيشها نحو 11.5 مليون صاحب معاش في مصر، فقد أكد النائب أن هؤلاء المواطنين أصبحوا "فريسة" لتعطل الأنظمة (السيستم) وتعقيدات التكنولوجيا التي لا تتناسب مع قدراتهم الصحية أو المعرفية.

السيستم-التحول الرقمي في مصر- أصحاب المعاشات- مجلس النواب- العدالة الرقمية- ميكنة الخدمات الحكومية- النائب أشرف أمين- النائبة مها رزق- مشاكل السيستم- كبار السن والتكنولوجيا

ويرى أمين أن الأزمة تجاوزت حدود التطوير الطبيعي لتلمس حياة المواطن اليومية؛ حيث يضطر المسنون للاستعانة بوسطاء لحجز مواعيد طبية أو صرف علاج، ما يعرض بياناتهم الشخصية للخطر ويفتح الباب أمام الاستغلال المادي، وشدد النائب على أن "العدالة الرقمية" تقتضي ألا يُجبر المسن على التعامل مع تطبيقات معقدة، مقترحاً العودة إلى "البدائل الإنسانية" مثل الخطوط الساخنة التي تتيح إنهاء الخدمة صوتياً دون الحاجة لإنترنت أو هواتف ذكية باهظة الثمن.

الواقع الرقمي.. بين حتمية التطور ومعضلة "الأمية التكنولوجية"

من جانبها، تتبنى النائبة مها رزق رؤية واقعية تقر بأن "القطار قد خرج من المحطة"، مشيرة إلى أن التحول الرقمي أصبح خياراً استراتيجياً للدولة المصرية لا يمكن التراجع عنه، وتستدل النائبة على ذلك بانتشار استخدام البطاقات البنكية وكروت صرف المعاشات، مما يعكس تطوراً تدريجياً في الثقافة العامة.

السيستم-التحول الرقمي في مصر- أصحاب المعاشات- مجلس النواب- العدالة الرقمية- ميكنة الخدمات الحكومية- النائب أشرف أمين- النائبة مها رزق- مشاكل السيستم- كبار السن والتكنولوجيا

ومع ذلك، تضع النائبة يدها على الجرح الغائر: الفجوة بين التكنولوجيا والمستخدم. فالبنية التحتية ليست متساوية بين المحافظات، وجودة الإنترنت تتفاوت بشدة، مما يخلق تفرقة في جودة الحياة الرقمية، لذا، تطالب رزق بإنشاء "مكاتب دعم فني" داخل كل مؤسسة حكومية، لتكون بمثابة جسر بشري يساعد الأميين وكبار السن في تنفيذ خدماتهم، مؤكدة أن الاعتماد على التطبيقات وحدها "غير كافٍ" ولن يحقق الشمول المنشود.

لماذا تتحول الرقمنة إلى "معاناة" بدلاً من "تيسير"؟

عند تحليل الأرقام والسياق الحالي، نجد أن هناك عدة معوقات تجعل من التحول الرقمي عبئاً على فئة كبار السن:

  • غياب "سهولة الاستخدام" (UX): معظم التطبيقات الحكومية مصممة بلغة برمجية جافة لا تراعي ضعف البصر أو بطء الحركة لدى كبار السن.

  • التكاليف الإضافية: استهلاك باقات الإنترنت وشراء هواتف حديثة يمثل عبئاً مادياً إضافياً على أصحاب المعاشات المحدودة.

  • الخوف من الاختراق: غياب الوعي بالأمن السيبراني يجعل كبار السن فريسة سهلة لعمليات الاحتيال، مما يولد لديهم "فوبيا" من التعامل الإلكتروني.

  • تعطل الأنظمة المتكرر: "السيستم واقع" جملة أصبحت كابوساً يطارد المواطن أمام مكاتب البريد والتأمينات، مما يضطر المسن للانتظار لساعات في ظروف صحية صعبة.

روشتة البرلمان لرقمنة "إنسانية" في 2026

اتفق نواب البرلمان على ضرورة صياغة نموذج "رقمنة بلمسة إنسانية"، يتضمن الآتي:

  1. توفير مكاتب مساعدة بشرية: لا يجوز إخلاء المكاتب الحكومية من الموظفين المساعدين بدعوى الميكنة الكاملة.

  2. تبسيط تجربة المستخدم: إنتاج فيديوهات إرشادية قصيرة بلهجة بسيطة تشرح كيفية استخدام الخدمات.

  3. تفعيل الخطوط الساخنة: تحويل المكالمات الهاتفية إلى وسيلة رسمية لإنهاء الخدمات الحكومية لكبار السن.

  4. تطوير البنية التحتية: ضمان وصول إنترنت مستقر لكافة القرى والنجوع لتحقيق مبدأ المساواة في الخدمة.

التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة المصرية اليوم ليس في إنتاج المزيد من التطبيقات، بل في ضمان ألا يترك هذا السباق التكنولوجي أحداً خلفه، فالتحول الرقمي يجب أن يكون أداة لتمكين الإنسان، لا وسيلة لتعقيد حياته، خاصة أولئك الذين قضوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن وينتظرون "معاشاً" كريماً وخدمة سهلة دون مشقة.