ترامب يقلص الوجود العسكري الأمريكي في الناتو.. هل تدخل أوروبا مرحلة أمنية جديدة؟
في تحرك أعاد الجدل بشأن مستقبل التحالفات الغربية، عادت المخاوف الأوروبية إلى الواجهة بعد قرار أمريكي أثار موجة واسعة من التساؤلات حول شكل التوازن العسكري في القارة خلال السنوات المقبلة، فالحديث هذه المرة لا يتعلق بخفض محدود للقوات أو إعادة تموضع تكتيكية مؤقتة، بل بخطوة وُصفت بأنها واحدة من أكبر التحولات في بنية الانتشار العسكري الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي.
أوروبا تترقب مرحلة جديدة
القرار، الذي يتضمن تقليص جزء كبير من القدرات العسكرية الأمريكية داخل الحلف، أعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل إدارة أمريكية، هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها بعيدًا عن المظلة العسكرية لواشنطن؟
خطوة غير مسبوقة تعيد رسم خريطة الحلف
بحسب ما تم تداوله، أصدر الرئيس الأمريكي قرارًا يقضي بسحب نسبة كبيرة من القدرات العسكرية الأمريكية من حلف الناتو، تشمل نصف القاذفات الاستراتيجية، وثلث الطائرات المقاتلة، إضافة إلى سحب جميع الغواصات الأمريكية التابعة للانتشار العسكري داخل الحلف.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن هذه المنظومات لا تمثل مجرد أرقام أو معدات تقليدية، بل تشكل جزءًا محوريًا من معادلة الردع الغربية، خاصة أن القاذفات الاستراتيجية والغواصات تعد من أهم أدوات القوة العسكرية بعيدة المدى.
لماذا يثير ملف الغواصات قلق أوروبا؟
يعتبر الوجود البحري الأمريكي أحد أعمدة الأمن الأوروبي منذ عقود، والغواصات تحديدًا تمثل عنصرًا بالغ الأهمية في معادلات الردع الحديثة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات استراتيجية بعيدة المدى والعمل في بيئات عالية الخطورة دون رصد مباشر.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي سحب هذه القدرات إلى خلق فجوة في منظومة الردع البحري داخل القارة الأوروبية، خاصة بالنسبة لدول شرق أوروبا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الوجود العسكري الأمريكي في مواجهة أي تهديدات محتملة.
الطائرات المقاتلة والسفن الحربية ضمن التخفيضات
وتحدثت التقارير المتداولة كذلك عن تقليص إضافي يشمل الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والطائرات دون طيار وناقلات الوقود الجوية، وهي أدوات تشكل العمود الفقري للعمليات العسكرية المشتركة داخل الحلف.
وتلعب ناقلات الوقود الجوية دورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؛ إذ تسمح للطائرات المقاتلة بالعمل لمسافات أطول وتنفيذ مهام ممتدة، ما يجعل تقليصها مؤثرًا بصورة مباشرة على القدرة العملياتية للناتو.
ردود الفعل الأوروبية.. طمأنة رسمية وقلق غير معلن
أوروبا بدت منقسمة في استقبالها للخطوة الأمريكية. ففي الوقت الذي سعت فيه القيادات الرسمية إلى تهدئة المخاوف، ظهرت أصوات أخرى أكثر قلقًا، خاصة داخل الدول الواقعة على الخطوط الشرقية للقارة.
ورغم محاولات التقليل من تأثير القرار باعتباره جزءًا من ترتيبات كانت متوقعة، فإن العديد من المحللين يرون أن حجم التخفيضات يتجاوز فكرة إعادة التنظيم التقليدية، وقد يؤثر على توازنات أمنية استقرت لعقود.
وتاريخيًا، اعتمدت عدة دول أوروبية على المظلة العسكرية الأمريكية منذ تأسيس حلف الناتو عام 1949، الأمر الذي جعل أي تغيير في مستوى الالتزام الأمريكي موضع متابعة دقيقة.
هل تعود سياسة "تقاسم الأعباء" إلى الواجهة؟
لطالما كانت قضية الإنفاق الدفاعي إحدى أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الحلف، وتطالب الولايات المتحدة منذ سنوات أعضاء الناتو بالالتزام بتخصيص ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري.
وتشير بيانات الحلف خلال السنوات الأخيرة إلى أن عدداً من الدول الأوروبية بدأ بالفعل رفع ميزانياته الدفاعية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن واشنطن كانت ترى أن العبء لا يزال غير موزع بصورة متوازنة.
ومن هذا المنطلق، ينظر البعض إلى الخطوة باعتبارها رسالة سياسية أكثر من كونها تحركًا عسكريًا صرفًا؛ رسالة مفادها أن أوروبا مطالبة بتحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أمنها.
التحول نحو آسيا.. هل أصبحت الأولوية مختلفة؟
تتزامن هذه التحركات مع توجه أمريكي متزايد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي باتت تمثل مركز المنافسة الجيوسياسية العالمية في ظل تصاعد النفوذ الصيني.
ويرى خبراء أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة قد تقوم على إعادة توزيع الموارد العسكرية عالميًا، بما يضمن تركيزًا أكبر على آسيا دون التخلي الكامل عن أوروبا.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية تحقيق هذا التوازن دون إضعاف بنية الردع التقليدية التي شكلت لعقود أحد أهم عوامل الاستقرار في القارة الأوروبية.
مرحلة جديدة أم أزمة مؤقتة؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا، هل يمثل القرار تحولًا دائمًا في فلسفة الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا، أم أنه مجرد إعادة تموضع مؤقتة مرتبطة بحسابات سياسية وعسكرية متغيرة؟، الإجابة قد لا تظهر سريعًا، لكن المؤكد أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من إعادة تقييم أولوياتها الدفاعية، وسط عالم يشهد تحولات متسارعة وتحالفات تعاد صياغتها من جديد.
