بشكاتب

في اليوم الذي يخلو فيه صحن الكعبة.. نساء مكة يحيين تقليدًا عمره مئات السنين

الأربعاء 27 مايو 2026 06:29 مـ 10 ذو الحجة 1447 هـ
مؤنسات الحرم
مؤنسات الحرم

بينما تتجه أنظار المسلمين اليوم إلى صعيد عرفات، حيث يقف حجاج بيت الله الحرام لأداء الركن الأعظم من الحج، يظهر مشهد مختلف داخل المسجد الحرام، مشهد تصنعه نساء مكة المكرمة بصمت وروحانية خاصة، في عادة سنوية قديمة تُعرف باسم “الخليف”، تعيد الحياة إلى صحن الكعبة في أكثر لحظاته هدوءًا.

ومع مغادرة الحجاج إلى مشعر عرفات منذ فجر اليوم، بدا الحرم أقل ازدحامًا على غير المعتاد، لتبدأ نساء مكة في التوافد تباعًا برفقة أطفالهن، حاملات معهن طقوسًا توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة المدينة المقدسة.

يوم تتحول فيه الكعبة إلى مشهد مختلف

في الساعات الأولى من يوم عرفة، تمتلئ أروقة الحرم بالمصليات وقراءة القرآن والدعوات الخاشعة، بينما تحرص كثير من النساء على اصطحاب أطفالهن للطواف حول الكعبة بحرية أكبر، في مشهد نادر لا يتكرر سوى مرة واحدة كل عام، حين تقل أعداد الطائفين بشكل ملحوظ.

ويُعرف هذا اليوم داخل المجتمع المكي باسم “يوم الخليف”، وهو تقليد قديم يقوم على التفرغ الكامل للعبادة والصلاة والصيام والدعاء، وسط أجواء يغلب عليها السكون والطمأنينة. وتحرص النساء خلاله على ارتداء الزي الأسود التقليدي، في صورة أصبحت مرتبطة بهذا اليوم الروحاني الاستثنائي.

حكاية قديمة بدأت من غياب الرجال في الحج

لا ترتبط هذه العادة بالعبادة فقط، بل تحمل جذورًا اجتماعية وتاريخية عميقة. فقديمًا، كانت نساء مكة يتولين مسؤوليات كبيرة أثناء غياب الرجال في مواسم الحج، من رعاية البيوت ومساعدة كبار السن إلى حماية الأحياء وتقديم الطعام للصائمين والعابرين، ما منح هذا التقليد بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الطقوس المعتادة.

أما تسمية “الخليف”، فتدور حولها روايتان متوارثتان بين أهالي مكة؛ الأولى تشير إلى من تخلّف عن الحج وبقي في المدينة، بينما تذهب الرواية الثانية إلى أن النساء “يخلفن” الرجال في الحرم خلال هذا اليوم، فيقمن بملء الفراغ الذي يتركه الحجاج أثناء وجودهم في عرفات.

“مؤنسات الحرم”.. لقب يحمله المشهد كل عام

يطلق المكيون على النساء المشاركات في هذا التقليد لقب “مؤنسات الحرم”، في تعبير يحمل الكثير من التقدير لدورهن الرمزي والروحي في هذا اليوم، خاصة مع المشهد اللافت لصحن الكعبة وهو يمتلئ مجددًا بالأصوات الخافتة والدعوات وملامح السكينة.

ومع استمرار توافد النساء حتى ساعات المساء، يبقى “الخليف” واحدًا من أكثر المشاهد الإنسانية خصوصية في موسم الحج، عادة قديمة لم تُكتب فقط في ذاكرة مكة، بل بقيت حيّة في وجدان أهلها، تتجدد كل عام بهدوء يشبه قدسية المكان نفسه.