بشكاتب

تحلية مياه البحر بين تحديات التكلفة وفرص دعم التوسع الزراعي في مصر

السبت 30 مايو 2026 12:18 مـ 13 ذو الحجة 1447 هـ
تحلية مياه البحر في مصر
تحلية مياه البحر في مصر

مع تسارع مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي في مصر، يبرز سؤال حاسم يتعلق بمستقبل الموارد المائية وقدرة الدولة على توفير احتياجاتها المتزايدة، وبينما تزداد الضغوط على مياه نهر النيل بفعل النمو السكاني والتغيرات المناخية، تتجه الأنظار نحو تحلية مياه البحر باعتبارها أحد الحلول الاستراتيجية التي قد تساهم في سد الفجوة المائية ودعم خطط التنمية الزراعية.

هل تصبح المياه المحلاة مفتاح المستقبل الزراعي؟

لكن رغم الوعود الكبيرة التي تحملها هذه التكنولوجيا، فإن الجدل لا يزال قائمًا بين الخبراء حول مدى جدواها الاقتصادية في القطاع الزراعي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والتحلية مقارنة بالعائد المتوقع من العديد من المحاصيل التقليدية.

التوسع الزراعي يضع ملف المياه في صدارة الأولويات

جاء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف استصلاح نحو 2.2 مليون فدان ليؤكد توجه الدولة نحو تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات الزراعية، إلا أن هذا التوسع الضخم يفرض تحديات كبيرة تتعلق بتوفير المياه اللازمة للزراعة.

وتعتمد مصر بنسبة تقترب من 98% على مياه نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، في وقت تظل فيه الحصة المائية ثابتة بينما يواصل عدد السكان الارتفاع بوتيرة متسارعة، وهو ما يدفع الدولة إلى البحث عن مصادر غير تقليدية للمياه مثل إعادة الاستخدام والمعالجة وتحلية مياه البحر.

التحلية.. حل واعد لكنه مكلف

يرى الدكتور رأفت خضر، مدير معهد بحوث الصحراء الأسبق، أن تحلية مياه البحر تمثل أحد الحلول المستقبلية المهمة لمواجهة تحديات نقص المياه، إلا أن تطبيقها على نطاق واسع لا يزال يواجه عقبات اقتصادية وفنية عديدة.

وأوضح أن التكلفة المرتفعة تعد التحدي الأكبر أمام انتشار هذه التقنية، خاصة مع اعتماد محطات التحلية على الطاقة اللازمة لتشغيل المعدات والأنظمة المختلفة، كما أن عمليات التحلية تمر بعدة مراحل معقدة تبدأ بالمعالجة الأولية والثانوية وصولًا إلى تقنيات متقدمة تعتمد على تكنولوجيا النانو، ما يزيد من احتياجاتها التشغيلية والاستثمارية.

ويشير خضر إلى أن مصر ركزت خلال السنوات الأخيرة على مشروعات معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، مثل محطة المحسمة وغيرها من المشروعات القومية، باعتبارها من الحلول الأكثر كفاءة والأقل تكلفة مقارنة بتحلية مياه البحر في الوقت الراهن.

الطاقة.. العنصر الحاسم في معادلة التحلية

لا تقتصر تحديات التحلية على التكنولوجيا المستخدمة فقط، بل ترتبط بشكل مباشر بتكلفة الطاقة اللازمة لتشغيل المحطات.

فمع استمرار الاضطرابات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، أصبحت تكلفة إنتاج المياه المحلاة أكثر تأثرًا بالتغيرات الدولية، لذلك يؤكد الخبراء أن نجاح التحلية مستقبلًا يعتمد بدرجة كبيرة على تطوير مصادر طاقة منخفضة التكلفة ومستدامة.

وفي هذا السياق، يشهد العالم توسعًا ملحوظًا في دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح داخل مشروعات التحلية، وهو ما قد يسهم في خفض التكلفة التشغيلية تدريجيًا ويزيد من الجدوى الاقتصادية للمشروعات الجديدة.

هل تصلح المياه المحلاة للزراعة؟

من الناحية الفنية، يؤكد المتخصصون أن المياه المحلاة يمكن استخدامها في الزراعة، لكن وفق ضوابط محددة.

ويشير الدكتور رأفت خضر إلى إمكانية توجيه المياه المحلاة لزراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية مرتفعة تستطيع تعويض تكلفة المياه المستخدمة، موضحًا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب لتحديد المحاصيل الأكثر ملاءمة وقدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية مجزية.

كما أن إنتاجية بعض الزراعات المعتمدة على المياه المحلاة قد تختلف عن مثيلاتها في الأراضي التقليدية بمنطقة الدلتا، ما يستوجب إجراء تقييمات علمية مستمرة قبل التوسع في هذا الاتجاه.

50 جنيهًا للمتر المكعب.. أرقام تفسر التحفظات

من جانبه، يرى ضياء الدين قوصي، خبير الموارد المائية ومستشار وزير الري الأسبق، أن التكلفة الحالية لتحلية مياه البحر ما تزال مرتفعة للغاية بالنسبة للاستخدام الزراعي الواسع.

وأوضح أن تكلفة إنتاج المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة قد تصل إلى نحو 50 جنيهًا، وهو ما يرفع تكلفة ري الفدان إلى قرابة 25 ألف جنيه سنويًا للمياه فقط، دون احتساب تكاليف التقاوي والأسمدة والكهرباء وأعمال الخدمة الزراعية الأخرى.

هذه الأرقام تجعل استخدام المياه المحلاة في زراعة المحاصيل التقليدية أمرًا غير اقتصادي في الوقت الحالي، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على تنافسية المنتجات الزراعية في الأسواق المحلية والعالمية.

المياه الجوفية المالحة.. بديل أكثر واقعية

يرى عدد من الخبراء أن تحلية المياه الجوفية المالحة قد تمثل خيارًا أكثر جدوى اقتصاديًا من تحلية مياه البحر.

فالمياه الجوفية المالحة تحتاج إلى عمليات معالجة وتحلية أقل تعقيدًا، ما ينعكس بشكل مباشر على خفض التكلفة التشغيلية، كما يمكن الاستفادة منها في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية وزراعة بعض النباتات القادرة على تحمل درجات مرتفعة من الملوحة.

ومن أبرز هذه النباتات الجوجوبا والجتروفا وأشجار الكازورينا، وهي محاصيل تمتلك استخدامات صناعية واقتصادية متنوعة وتحقق قيمة مضافة في المناطق الصحراوية.

مستقبل التحلية في مصر.. بين الضرورة والتدرج

يتفق الخبراء على أن تحلية المياه ستصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الموارد المائية في المستقبل، لكن نجاحها يتطلب تطبيقًا تدريجيًا ومدروسًا يأخذ في الاعتبار الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية للدولة.

ومع التطور السريع في تقنيات التحلية والطاقة المتجددة، قد تصبح المياه المحلاة خلال السنوات المقبلة أكثر قدرة على المنافسة وأقل تكلفة، ما يفتح المجال أمام استخدامها بصورة أوسع في دعم مشروعات التنمية الزراعية والعمرانية.

وفي ظل التحديات المائية المتزايدة، تبدو تحلية المياه خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، لكنه يحتاج إلى مزيج من الابتكار العلمي والتخطيط الاقتصادي الرشيد لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل قطرة ماء.