الدعم النقدي يقترب من التطبيق، هل تنجح الحكومة المصرية في إعادة صياغة منظومة الحماية الاجتماعية؟
تقترب الحكومة المصرية من حسم واحد من أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية تأثيرًا في حياة المواطنين، وهو التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي، فبعد سنوات من الجدل والدراسات والمناقشات البرلمانية، أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية أنها تدرس تطبيق المنظومة الجديدة بداية من العام المالي المقبل، في خطوة تستهدف تحسين كفاءة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بصورة أكثر عدالة.
مصر تدرس أكبر تحول في منظومة الدعم منذ عقود
ويأتي هذا التوجه في ظل سعي الدولة إلى تطوير شبكات الحماية الاجتماعية، ومواجهة أوجه القصور التي صاحبت منظومة الدعم العيني على مدار سنوات، سواء فيما يتعلق بتسرب الدعم إلى غير المستحقين أو المشكلات الإدارية المرتبطة ببطاقات التموين وتوزيع السلع.
لماذا تفكر الحكومة في التحول إلى الدعم النقدي؟
تعتمد منظومة الدعم الحالية على توفير سلع تموينية مدعمة وخبز مدعم لملايين المواطنين من خلال بطاقات التموين، ورغم نجاح هذه المنظومة في حماية الفئات الأكثر احتياجًا لسنوات طويلة، فإنها واجهت تحديات متزايدة تتعلق بكفاءة التوزيع وتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع تكاليف الإدارة والتشغيل.
ووفقًا لما أعلنته وزارة التموين، فإن الهدف من التحول إلى الدعم النقدي لا يتمثل في تقليص الدعم أو خفض قيمته، بل في إعادة هيكلة آليات تقديمه بما يسمح بوصوله بصورة أكثر كفاءة إلى المستحقين الحقيقيين، كما تسعى الحكومة إلى منح المواطنين مرونة أكبر في اختيار احتياجاتهم وفقًا لأولوياتهم، بدلًا من الاقتصار على قائمة محددة من السلع التموينية.
لا قرار نهائيًا حتى الآن
أكد أشرف مرزوق، عضو مجلس النواب، أن الحكومة لم تصدر قرارًا نهائيًا حتى الآن بشأن تطبيق الدعم النقدي، موضحًا أن وزارة التموين ما زالت تدرس الآليات الفنية والتنفيذية اللازمة قبل الإعلان الرسمي عن المنظومة الجديدة.
وأشار إلى أن الملف لم يُعرض بصورة نهائية على مجلس النواب، إلا أن المؤشرات تؤكد وجود توجه حكومي واضح نحو تطبيق هذا النظام خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن الحكومة تؤكد في جميع مناقشاتها أن قيمة الدعم التي يحصل عليها المواطن لن تتراجع، سواء فيما يتعلق بالخبز أو السلع التموينية، بل سيتم تحويل الدعم إلى قيمة أو نقاط شرائية تتيح للمستفيد الحصول على احتياجاته بنفس القيمة أو بقيمة أعلى حال إجراء أي زيادات مستقبلية.
كيف سيتم صرف الدعم النقدي؟
من أكثر الأسئلة التي تشغل المواطنين حاليًا طبيعة الوسائل التي سيتم من خلالها صرف الدعم حال تطبيق المنظومة الجديدة.
وبحسب التصورات الأولية المطروحة، يتوقع أن يتم الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني الحديثة مثل المحافظ الإلكترونية والكروت الذكية وبطاقات "ميزة"، إضافة إلى التطبيقات الرقمية المختلفة مثل "إنستا باي" وغيرها من أدوات الدفع المعتمدة.
ويرى النواب المشاركون في مناقشات الملف أن هذه الوسائل أصبحت متاحة على نطاق واسع وتوفر درجة عالية من المرونة والشفافية، كما تسهل عمليات المتابعة والرقابة.
وفيما يتعلق بالأسر التي لا تمتلك حسابات مصرفية، أوضح مرزوق أن الأمر لن يمثل عقبة حقيقية، حيث يمكن إصدار بطاقات مرتبطة بمكاتب البريد أو المحافظ الإلكترونية بما يضمن وصول الدعم إلى جميع المستحقين.
هل يقضي الدعم النقدي على مشكلات المنظومة الحالية؟
يرى عدد من الخبراء أن التحول إلى الدعم النقدي قد يساهم في معالجة العديد من أوجه القصور الموجودة داخل منظومة الدعم العيني، ويؤكد الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، أن النظام النقدي يمتلك قدرة أكبر على الحد من صور الفساد المرتبطة بتوريد السلع التموينية وإجراءات المناقصات والتوزيع.
كما أن منح المستفيد حرية الاختيار قد يؤدي إلى تحسين مستوى الاستفادة من الدعم، خاصة في ظل اختلاف احتياجات الأسر من منطقة إلى أخرى ومن فئة عمرية إلى أخرى، ويضيف أن بعض المواطنين يشتكون من محدودية الخيارات المتاحة داخل منظومة التموين أو من جودة بعض السلع، وهو ما يمكن تجاوزه عبر منح الأسر حرية شراء احتياجاتها مباشرة.
مخاوف التضخم وتآكل القيمة الشرائية
رغم المزايا المحتملة للدعم النقدي، فإن هناك تحديًا رئيسيًا يتمثل في الحفاظ على القوة الشرائية لقيمة الدعم بمرور الوقت، ففي ظل معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، قد تتراجع القيمة الفعلية للدعم إذا لم تتم مراجعتها بصورة دورية.
ولهذا طالب عدد من النواب والخبراء بربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم أو إجراء مراجعات سنوية تضمن الحفاظ على قدرتها الشرائية، على غرار ما يحدث في الأجور والمعاشات.
ويرى الخبراء أن نجاح المنظومة الجديدة لن يعتمد فقط على طريقة الصرف، بل على قدرة الدولة على تحديث قيمة الدعم بشكل مستمر بما يتناسب مع تطورات السوق.
تجربة أولية قبل التعميم
تشير المناقشات الجارية إلى أن الحكومة قد تتجه إلى تطبيق النظام بصورة تجريبية داخل محافظة واحدة قبل تعميمه على مستوى الجمهورية.
ويهدف هذا النهج إلى اختبار كفاءة المنظومة الجديدة واكتشاف أي تحديات تشغيلية أو فنية قد تظهر خلال التطبيق الفعلي، بما يسمح بإجراء التعديلات اللازمة قبل التوسع الكامل.
وتعتبر هذه الخطوة ضرورية في ظل ضخامة قاعدة المستفيدين من الدعم التمويني والتي تضم ملايين المواطنين في مختلف المحافظات.
بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية
يمثل ملف الدعم أحد أكثر الملفات حساسية داخل الاقتصاد المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بمستوى معيشة الأسر محدودة الدخل، ومن هنا تحاول الدولة تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين رفع كفاءة الإنفاق العام وترشيد الدعم من جهة، والحفاظ على شبكات الحماية الاجتماعية من جهة أخرى.
ومع استمرار الدراسات والمناقشات، يبقى نجاح التحول إلى الدعم النقدي مرتبطًا بقدرة الحكومة على ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، والحفاظ على قيمته الحقيقية، وتوفير آليات صرف مرنة وآمنة تضمن عدم تأثر الفئات الأكثر احتياجًا، وفي حال نجاح هذه المعادلة، قد تشهد مصر واحدة من أكبر عمليات تحديث منظومة الدعم خلال العقود الأخيرة، بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.
