بشكاتب

مشروع كوشنر في ألبانيا وتحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص، خريطة نفوذ جديدة في شرق المتوسط

السبت 6 يونيو 2026 12:24 صـ 19 ذو الحجة 1447 هـ
مشروع كوشنر في ألبانيا وتحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص
مشروع كوشنر في ألبانيا وتحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص

لم تعد التحركات في شرق المتوسط مجرد صفقات سياحية أو تفاهمات اقتصادية عابرة، بل أصبحت جزءًا من خريطة نفوذ أوسع تتداخل فيها الاستثمارات الكبرى مع الأمن والطاقة والتموضع العسكري، وبين مشروع جاريد كوشنر في ألبانيا، وتنامي التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، وارتفاع صادرات السلاح الإسرائيلية لمستويات قياسية، تبرز أسئلة حساسة حول مستقبل التوازنات الإقليمية.

حزام النفوذ في شرق المتوسط

القصة لا تحتاج إلى مبالغات أو شعارات صاخبة بقدر ما تحتاج إلى قراءة هادئة للوقائع، من يسيطر على الجزر والموانئ والممرات البحرية؟ ومن يمول شبكات النفوذ الجديدة؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه التحركات على مصر وتركيا ومنطقة شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة؟

مشروع كوشنر في ألبانيا منتجع سياحي أم بوابة نفوذ جديدة؟

بدأ الجدل من ألبانيا، الدولة الصغيرة الواقعة في قلب البلقان وعلى مقربة من واحد من أهم الممرات البحرية بين المتوسط وأوروبا، والمشروع المعلن يرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشركته الاستثمارية Affinity Partners، ويتضمن إقامة منتجعات فاخرة في جزيرة سازان ومناطق ساحلية قريبة من زفيرنيك.

وفق المعلومات المنشورة، تصل قيمة المشروع إلى نحو 1.4 مليار يورو، أي ما يقارب 1.6 مليار دولار، وهو ما يجعله من أكبر المشروعات السياحية المطروحة في ألبانيا خلال السنوات الأخيرة، وتقدم الحكومة الألبانية المشروع باعتباره فرصة لتحويل البلاد إلى وجهة عالمية للسياحة الفاخرة، وجذب استثمارات أجنبية ضخمة، وخلق فرص عمل في المناطق الساحلية.

لكن الاعتراضات الشعبية والبيئية لم تتأخر، فقد خرج آلاف المتظاهرين في تيرانا ومناطق ساحلية رافعين شعارات مثل، "ألبانيا ليست للبيع"، اعتراضًا على ما يرونه تفريطًا في مناطق طبيعية حساسة، خاصة أن المشروع يمتد قرب محمية فيوسا-نارتا، وهي منطقة ذات أهمية بيئية كبيرة لطيور الفلامنجو والفقمات والسلاحف البحرية.

جزيرة سازان موقع حساس بتاريخ عسكري

تكتسب جزيرة سازان أهمية خاصة لأنها ليست جزيرة سياحية عادية، فالجزيرة كانت قاعدة عسكرية محصنة خلال فترة الحرب الباردة، وتضم منشآت وأنفاقًا ومرافق قديمة تعكس طبيعتها الاستراتيجية، كما تقع عند مدخل البحر الأدرياتيكي، في نقطة تربط بين شرق المتوسط والبلقان وأوروبا الجنوبية.

هذا التاريخ العسكري لا يعني بالضرورة أن المشروع الحالي له أهداف عسكرية معلنة، لكنّه يفسر لماذا يتعامل كثيرون مع الصفقة بحساسية شديدة، فالمواقع الساحلية والجزر التي تمتلك بنية تحتية قديمة وموقعًا بحريًا حاكمًا يمكن أن تتحول، في لحظات التوتر، إلى نقاط نفوذ لوجيستي أو استخباراتي أو اقتصادي، حتى لو بدأت في صورة استثمار سياحي.

وهنا تكمن خطورة المسألة، ليس المطلوب إثبات وجود قاعدة عسكرية جاهزة، بل فهم أن السيطرة الاستثمارية طويلة الأمد على جزر ومناطق ساحلية حساسة تمنح أصحابها نفوذًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الفنادق والمنتجعات.

غضب شعبي وتحقيقات وأسئلة حول الشفافية

الشارع الألباني لم يتعامل مع المشروع كخلاف بيئي بسيط، بل كقضية سيادة وشفافية، المتظاهرون رأوا أن الحكومة فتحت الباب أمام مستثمرين كبار للسيطرة على مناطق طبيعية نادرة دون نقاش عام كافٍ، بينما تؤكد الحكومة أن المشروع سيخضع للدراسات البيئية والقانونية المطلوبة.

وتزايدت حدة الأزمة بعد ظهور معدات بناء وأسوار في مناطق قريبة من المشروع، ما أدى إلى تصعيد الاحتجاجات، كما تحدثت تقارير إعلامية عن فتح جهات مختصة في ألبانيا تحقيقات تتعلق ببعض جوانب المشروع والتعديلات القانونية المرتبطة بالمناطق المحمية.

تضع هذه التطورات حكومة إيدي راما أمام اختبار صعب، كيف توازن بين جذب الاستثمار الأجنبي وحماية البيئة والسيادة الوطنية؟ وكيف تقنع الرأي العام بأن المشروع اقتصادي بحت وليس مدخلًا لنفوذ سياسي خارجي؟

إسرائيل واليونان وقبرص.. شراكة تتجاوز الدبلوماسية

بالتوازي مع ملف ألبانيا، شهدت السنوات الأخيرة تعميقًا واضحًا للعلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص، وهذه العلاقة لم تعد مقتصرة على البيانات السياسية، بل امتدت إلى التعاون العسكري، والمناورات البحرية والجوية، والطاقة، والربط الكهربائي، ومشروعات الأمن البحري.

وفي ديسمبر 2025، أعلنت الأطراف الثلاثة تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري، مع خطط لتكثيف التدريبات الجوية والبحرية في شرق المتوسط خلال عام 2026، كما تضمنت التحركات اتفاقات عمل مشتركة ومجالات تعاون في الأمن البحري ومواجهة التهديدات غير التقليدية.

يحمل هذا التطور دلالات كبيرة، لأن شرق المتوسط أصبح منطقة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، خاصة مع وجود ملفات الغاز، والحدود البحرية، وقبرص، والعلاقة المتوترة تاريخيًا بين اليونان وتركيا، فضلًا عن أهمية قناة السويس ومداخل البحر الأحمر بالنسبة لمصر.

تركيا في قلب الحسابات ومصر تراقب المشهد

لا يمكن قراءة التحالفات الجديدة في شرق المتوسط بعيدًا عن تركيا. فأنقرة تنظر بحساسية إلى أي تموضع عسكري أو طاقوي يضم اليونان وقبرص وإسرائيل، خصوصًا عندما يرتبط ذلك بمشروعات بحرية أو تدريبات عسكرية أو منظومات دفاعية متقدمة.

أما مصر، فهي لاعب رئيسي في معادلة شرق المتوسط بحكم موقعها، وقناة السويس، واحتياطيات الغاز، وحدودها البحرية، وعلاقاتها المتشابكة مع قبرص واليونان وتركيا وإسرائيل، لذلك فإن أي إعادة تشكيل لخريطة النفوذ في المتوسط تمس بصورة مباشرة الأمن القومي المصري، حتى لو لم تكن مصر طرفًا ظاهرًا في كل اتفاقية.

ومن هنا، فإن القراءة الهادئة تقول إن المنطقة تتحرك نحو مرحلة “تموضع استراتيجي” لا تعتمد فقط على الجيوش، بل على الموانئ، والكابلات البحرية، والجزر، والمنتجعات، وشركات الاستثمار، وصفقات الطاقة والسلاح.

صادرات السلاح الإسرائيلية.. رقم قياسي يثير الأسئلة

أحد أهم مؤشرات الصعود الإسرائيلي في سوق النفوذ الإقليمي هو وصول صادرات السلاح الإسرائيلية في عام 2025 إلى نحو 19.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق، وفق بيانات وزارة الدفاع الإسرائيلية، ويعد هذا الرقم قياسيًا، ويعكس الطلب المتزايد على أنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والتقنيات المضادة للمسيرات، وأنظمة المراقبة.

هذه الأرقام لا تحمل بعدًا اقتصاديًا فقط، بل تعني أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية توسع شبكاتها الدولية، وتبني علاقات طويلة الأمد مع دول تعتمد على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في منظوماتها الدفاعية، ومع كل صفقة سلاح، تنشأ علاقة تدريب وصيانة وتحديث ومعلومات، أي أن الأمر يتجاوز البيع والشراء.

التمويل الخليجي وصندوق Affinity أين تبدأ السياسة وأين ينتهي الاستثمار؟

أثار صندوق Affinity Partners جدلًا واسعًا منذ تأسيسه، بسبب اعتماده على استثمارات ضخمة من صناديق سيادية ومؤسسات في الشرق الأوسط، وتحدثت تقارير وتحقيقات أمريكية عن مليارات الدولارات التي جمعها الصندوق من المنطقة، وفي مقدمتها استثمارات سعودية، إلى جانب أموال من قطر وجهات مرتبطة بالإمارات.

من الناحية القانونية، قد تكون هذه استثمارات مالية عادية تبحث عن عائد، لكن من الناحية السياسية، يصعب فصل الأموال عن النفوذ، خاصة عندما يكون مدير الصندوق شخصية سياسية سابقة لعبت دورًا في ملفات الشرق الأوسط داخل البيت الأبيض.

ولهذا يظل السؤال مطروحًا، هل تتحول الاستثمارات العابرة للحدود إلى أدوات نفوذ سياسي وجيوسياسي؟ وهل يمكن أن تصبح المشروعات السياحية والتكنولوجية والمالية جزءًا من خريطة تأثير أوسع في المنطقة؟

ما بين الحقيقة والمبالغة كيف نقرأ المشهد؟

من المهم التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية، والثابت أن هناك مشروعًا ضخمًا مرتبطًا بكوشنر في ألبانيا، وأنه يواجه احتجاجات شعبية وبيئية، والثابت أيضًا أن إسرائيل تعمق تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص، وأن صادراتها العسكرية وصلت إلى رقم قياسي، كما أن صندوق كوشنر تلقى استثمارات كبيرة من الشرق الأوسط.

أما القول إن هذه المشروعات ستتحول حتمًا إلى قواعد عسكرية أو مراكز حرب إلكترونية، فهو استنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة غير متاحة علنًا حتى الآن، لكن غياب الدليل القاطع لا يلغي حق التحليل السياسي في طرح الأسئلة، خاصة عندما تتجمع الجغرافيا الحساسة، والتمويل الضخم، والتعاون العسكري، والمصالح المتقاطعة في مساحة واحدة.

لماذا يهم ذلك القارئ العربي؟

لأن شرق المتوسط لم يعد منطقة بعيدة عن المواطن العربي، ما يحدث هناك ينعكس على أمن الطاقة، وأسعار التجارة، وحركة الملاحة، والأمن القومي لمصر، وتوازنات تركيا، ومستقبل القضية الفلسطينية، وموقع الدول العربية في النظام الإقليمي الجديد.

الأخطر أن كثيرًا من التحولات الكبرى لا تبدأ بإعلان عسكري صريح، بل تبدأ باتفاق استثماري، أو مشروع سياحي، أو صفقة تكنولوجيا، أو تعاون دفاعي تحت عنوان “الأمن المشترك”، وبعد سنوات، تتحول هذه الخطوات الصغيرة إلى واقع جيوسياسي يصعب تغييره.

خلاصة المشهد

التحركات الجارية في ألبانيا واليونان وقبرص وإسرائيل تكشف أن شرق المتوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ، ومشروع كوشنر في ألبانيا يثير أسئلة حول السيادة والبيئة والمال السياسي، بينما يعكس التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص اتجاهًا واضحًا لبناء شبكة أمنية وعسكرية أكثر تماسكًا في المنطقة.

وبينما تتصاعد صادرات السلاح الإسرائيلية، وتتحرك الأموال السيادية والاستثمارات الخاصة عبر الحدود، يصبح الوعي العام ضرورة لا رفاهية، فالمعركة الحقيقية في هذه المرحلة ليست فقط معركة جيوش، بل معركة خرائط وموانئ واستثمارات واتفاقيات طويلة المدى.

ما تحتاجه المنطقة اليوم هو قراءة دقيقة بلا تهويل، ووعي بلا اندفاع، وقدرة على التمييز بين الخبر المؤكد والتحليل المحتمل، فالأحداث المتفرقة، حين توضع على خريطة واحدة، تكشف أن ما يجري في شرق المتوسط قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع على النفوذ والأمن والممرات البحرية.