بشكاتب

حيلة كادت تفقده بصره.. أسرار من طفولة الشعراوي في ذكرى رحيله الـ28

الأربعاء 17 يونيو 2026 05:29 مـ 1 محرّم 1448 هـ
الشيخ محمد متولي الشعراوي
الشيخ محمد متولي الشعراوي

بعد مرور 28 عامًا على رحيل الشيخ محمد متولي الشعراوي، لا تزال سيرته حاضرة في وجدان ملايين المصريين والعرب، ليس فقط باعتباره أحد أبرز علماء الدين في العصر الحديث، بل أيضًا لما حملته حياته من مواقف إنسانية وقصص ملهمة بدأت منذ طفولته في إحدى قرى محافظة الدقهلية، قبل أن يصبح لاحقًا "إمام الدعاة" وصاحب المدرسة الدعوية الأشهر في العالم العربي.

 

من حقول دقادوس إلى طريق العلم

وُلد الشيخ محمد متولي الشعراوي في قرية دقادوس التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ونشأ وسط أسرة ريفية متدينة. وبينما كان يقضي طفولته في الحقول ومساعدة أسرته في أعمال الزراعة، كان والده يرى فيه مشروع عالم أزهري كبير، لذلك حرص على إلحاقه بالمعهد الأزهري في الزقازيق رغم محاولاته المتكررة للابتعاد عن الدراسة.

وعُرف الشعراوي منذ صغره بذكائه وسرعة بديهته، كما امتلك موهبة لافتة في تشكيل الطين ونحت أشكال الحيوانات، وهي الموهبة التي لفتت أنظار معلميه ومفتشي التعليم آنذاك. لكن اهتماماته لم تتوقف عند ذلك، إذ اتجه مبكرًا إلى حفظ الشعر وتعلم بحوره والاطلاع على الأدب العربي.

"عايشنا القرآن قبل أن نفهمه"

وكان التحاقه بالكُتّاب محطة مهمة في حياته، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة. وروى في أحد لقاءاته التلفزيونية أنه لم يكن يفهم معاني الآيات في البداية، شأنه شأن كثير من الأطفال، لكنه عاش مع القرآن وحفظه قبل أن يدرك أبعاده ومعانيه، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في شخصيته لاحقًا.

الحيلة التي كادت تكلفه بصره

ورغم المكانة العلمية التي وصل إليها لاحقًا، فإن الشعراوي لم يكن متحمسًا في طفولته للالتحاق بالأزهر، إذ كان مولعًا بالفلاحة ويجد فيها متعته الحقيقية. وللهروب من الكشف الطبي الخاص بالمعهد، فكّر في حيلة غريبة تمثلت في وضع الشطة داخل عينيه حتى تتورما ويُرفض قبوله.

إلا أنه اكتشف لاحقًا أن الأزهر كان يقبل الطلاب فاقدي البصر أيضًا، ليدرك أن خطته كانت ستفقده نعمة البصر دون أن تمنعه من الدراسة، وهو الموقف الذي ظل يرويه بابتسامة في سنواته اللاحقة.

كتاب غيّر مسار حياته بالكامل

ولم تتوقف محاولاته عند ذلك، فكان يدّعي ضياع الكتب أو سرقة المصروفات أملاً في أن يتراجع والده عن إصراره على استكمال تعليمه. لكن والده ظل متمسكًا بحلمه.

وفي إحدى المرات، طلب الشعراوي مجموعة كبيرة من الكتب التراثية الباهظة الثمن معتقدًا أن والده سيرفض شراءها، إلا أن المفاجأة كانت في موافقته على الفور، بل واستئجاره عربة لنقلها إلى مقر إقامته، ثم قضائه ساعات طويلة في تغليفها حفاظًا عليها.

وقبل مغادرة ابنه، أخبره الأب أنه يعلم جيدًا أن تلك الكتب ليست ضمن المقررات الدراسية، وأن الكتب المطلوبة لا تتجاوز قيمتها بضعة قروش، لكنه دعا له بأن ينفعه الله بما تحويه من علم.

كانت تلك الكلمات نقطة تحول حقيقية في حياة الشعراوي، إذ شعر بخجل شديد من موقف والده، وقرر أن يقرأ تلك الكتب بجدية، ليبدأ منذ ذلك الوقت رحلة علمية طويلة انتهت بأن يصبح أحد أشهر علماء التفسير والدعوة في العالم الإسلامي.

مواقف لا تُنسى صنعت شخصيته

وحفلت طفولة الشعراوي بالعديد من المواقف الطريفة التي كشفت عن سرعة بديهته وذكائه، إلا أنها كانت تحمل في الوقت نفسه دروسًا تربوية عميقة. فقد تعلّم مبكرًا أن السخرية من الآخرين قد تعود على صاحبها، بعدما تعرض لموقف مشابه لما سخر بسببه من أحد زملائه أثناء حفظ القرآن.

وربما كانت تلك التجارب المبكرة، بما حملته من مواقف إنسانية ودروس حياتية، أحد الأسباب التي أسهمت في تشكيل شخصية الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي ظل لعقود طويلة قريبًا من الناس بلغته البسيطة وأسلوبه السهل، تاركًا إرثًا علميًا ودعويًا ما زال حاضرًا حتى اليوم رغم مرور 28 عامًا على رحيله.