ماجدة موريس تكتب لـ بشكاتب: الثورة والفن أفلام يوليو والتغيير الكبير
من الصعب أن يحدد أحدٌ منا كيف سنحتفل اليوم بعيد ثورة يوليو المجيدة بعد 74 عامًا على قيامها، ولكن من المؤكد أن الفن هو من يستعيد لنا الاحتفال بها، سواء من خلال الأناشيد أو الأغاني الوطنية أو السينما. فالسينما والغناء كانا الوسيلتين الأهم في التعبير عن كل مناسباتنا القومية في زمن سابق، إذ لم تكن وسائل حفظ المسرح موجودة في الخمسينيات، أما الدراما التليفزيونية فلم تبدأ إلا مع الستينيات.
ومن هنا تأتي أهمية السينما، التي عرفناها مبكرًا، وكانت مصر الدولة الثانية التي شهدت عروضها في مدينة الإسكندرية بعد فرنسا، مع عرض أفلام الأخوين لوميير، مخترعي السينما. وبعدها بدأت الاستعدادات لصناعة السينما في مصر، التي انطلقت بالأفلام التسجيلية القصيرة قبل أن تصل إلى الأفلام الروائية الطويلة.
ومن ثم استطاعت السينما التعبير عن الثورة من خلال عدد من الأفلام، وكان أكثرها عرضًا فيلم «رد قلبي» أو «قصة حب.. وقصة شعب» كما كُتب على تتر الفيلم أو الأفيش الخاص به، مع صورة لابن الشعب الفقير الذي أصبح ضابطًا بعد الثورة، بأداء شكري سرحان، ومعه الجميلة أنجي، ابنة أحد أمراء العائلة الملكية، بأداء مريم فخر الدين.
كتب يوسف السباعي فيلم «رد قلبي» وأخرجه عز الدين ذو الفقار عام 1957، وهو أكثر أفلام ثورة يوليو شعبية، لقدرته على تقديم مفردات زمنه الصعبة، ومنها حياة الطبقات الاجتماعية المختلفة في موقع واحد، هو الفيلا التي كانت تسكنها أنجي وعائلتها، بينما يسكن في جانب من حديقتها الجنايني الريس عبد الواحد (حسين رياض) وعائلته، ومنها ابنان منحتهما الثورة الفرصة ليصبحا ضابطين، وهما علي وحسين (شكري سرحان وصلاح ذو الفقار).
وتدور الأحداث حول تعلق علي بأنجي وحبها له، ورفض الأب، الباشا، زواجهما، وطرد عبد الواحد وعائلته من المكان. وكلنا نحفظ بقية أحداث الفيلم الذي اختير ضمن المجموعة الأولى في استفتاء أهم مئة فيلم مصري.
وإلى جانب «رد قلبي»، يُعرض في ذكرى ثورة يوليو غالبًا فيلم قريب منه في استحضاره للفروق الطبقية بين أبناء الملكية وأبناء الشعب، وهو «الأيدي الناعمة» الذي عُرض عام 1963، ويُظهر مدى التغيير المجتمعي في ست سنوات فقط، حين أصبح الباشوات وأبناء العائلة المالكة بلا عمل في مجتمع جديد، وهو ما أصبح مرفوضًا بعد أن أكدت الثورة مبدأ المساواة.
وقدّم الكاتب الكبير توفيق الحكيم هذه الفكرة في كتابه الذي حمل الاسم نفسه، قبل أن يتحول إلى فيلم من خلال سيناريو وحوار يوسف جوهر وإخراج محمود ذو الفقار، وبطولة أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار في دور الأميرين العاطلين الباحثين عن عمل وسط معارفهم القدامى والجدد، في فيلم جمع بين الكوميديا والموسيقى، لوجود صباح ضمن بطلاته، وبين الرومانسية التي جمعت الباشوات السابقين بفتيات من الشعب.
أما الأفلام الأخرى المعبرة عن ثورة يوليو كحدث غيّر تاريخ مصر فليست كثيرة، رغم أهميتها في تقديم زمن كبير وتحولات تاريخية مهمة، مثل فيلم «الله معنا» الذي سبق فيلم «رد قلبي» بعامين، عام 1955، وكشف قصة الأسلحة الفاسدة التي اكتشفها ضباط مصريون شاركوا في حرب فلسطين عام 1948، وهو من تأليف إحسان عبد القدوس وإخراج أحمد بدرخان.
رجل غريب في بيتنا
بعد الأفلام السابقة، قدمت السينما المصرية مجموعة أخرى من الأفلام عن ثورة يوليو وعلاقتها بالحياة في الحقبة الملكية، وكيف كانت الأمور تُدار في كواليس السياسة، وهو ما عبّر عنه جيدًا فيلم «في بيتنا رجل» عن قصة لإحسان عبد القدوس، وسيناريو وحوار يوسف عيسى، وإخراج هنري بركات، والذي أُنتج عام 1960.
وقدم الفيلم صورة مهمة من صور الصراع السياسي قبل ثورة يوليو، وكيف تحول الشاب إبراهيم حمدي إلى مناضل بعد أن رأى بعينيه مقتل ابن عمه على يد الشرطة أثناء مظاهرة، فيقرر الانتقام له بقتل رئيس الوزراء الموالي للإنجليز. فيُقبض عليه، ويتعرض للتعذيب، ويودع أحد المستشفيات، لكنه يستغل فترة الإفطار في رمضان للهرب، ويتجه إلى منزل أحد زملائه في الجامعة، الذي لا يشارك في أي نشاط سياسي، طالبًا اللجوء.
وتستقبله أسرة زميله وتحميه، لكنه يقرر مغادرة المنزل بعد اعتقال زميله وابن عمه (حسن يوسف ورشدي أباظة)، ويستكمل نضاله بتفجير معسكر للإنجليز في العباسية، ويموت، ولكن بعد أن ترك وراءه تأثيرًا لا يُمحى لدى زميله وابن عمه، اللذين خرجا من الاعتقال وقررا الانضمام للجماعة التي تقاوم الإنجليز، أسوة بزميلهما الراحل إبراهيم حمدي، الذي جسد شخصيته عمر الشريف في واحد من أهم أدواره.
وشارك في بطولة الفيلم أيضًا حسن يوسف ورشدي أباظة وحسين رياض في دور والد زميله الذي آواه في منزله مع زوجته ناهد سمير وابنتيه زبيدة ثروت وزهرة العلا، ومن أبطاله كذلك يوسف شعبان وعبد الخالق صالح في دور مدير أمن القاهرة، وتوفيق الدقن في أدوار مهمة رغم محدودية مساحتها.
غروب وشروق
لم يكن «في بيتنا رجل» الفيلم الأخير عن الثورة، لكنه كان المحفز لتقديم أفلام أخرى تناولت حكاية الثورة وعلاقتها بما قبلها، أي العصر الملكي.
ومن هنا، قدمت السينما المصرية أفلامًا أخرى عن ثورة يوليو في أوقات مختلفة، مثل فيلم «القاهرة 30» الذي تناول كيف تفشى الفقر داخل أسرة دفعتها الظروف إلى بيع ابنتها، عن قصة نجيب محفوظ وإخراج صلاح أبو سيف.
كما جاء فيلم «غروب وشروق» ليطرح قصة أحد رجال القصر والبوليس السياسي، الذي يفاجأ بابنته في يد مجموعة من المناهضين له وللنظام الملكي، ويحاول إنقاذ سمعته ومكانته، لكن الزمن كان قد تجاوزه. الفيلم من تأليف جمال حماد، وإخراج كمال الشيخ، وإنتاج عام 1970.
بعد ذلك توقفت أفلام الثورة لفترة، قبل أن نشاهد فيلم «ناصر 56» عام 1996، الذي طرح ببساطة وجمال قصة الرئيس جمال عبد الناصر وقرار تأميم قناة السويس، وكأنه معادل موضوعي لما قدمته الثورة لمصر سياسيًا من تحرر واستقلال وطرد للاحتلال واستعادة للكرامة الوطنية.
وفي هذا الفيلم استطاع الكاتب محفوظ عبد الرحمن، والمخرج محمد فاضل، والفنان أحمد زكي أن يقدموا عملًا فنيًا رفيعًا بقدر ما كان عملًا سياسيًا وإنسانيًا مهمًا.
وبعده بسنوات قليلة جاء الفيلم الثاني عن الزعيم عبد الناصر بعنوان «جمال عبد الناصر»، للكاتب والمخرج السوري أنور قوادري، وبطولة خالد الصاوي، والذي رصد مسيرة عبد الناصر منذ بدايته كضابط مؤمن بالوطن وأهمية التغيير، مرورًا بتفاعله مع الأحداث وأحلام الناس، وصولًا إلى قيام الثورة وقيادتها، وما أضافته له من مستجدات بين الحلم الثوري والواقعية السياسية.
ثم جاء آخر الأفلام التي تناولت ثورة يوليو بعد ثلاث سنوات من الفيلم السابق، وهو فيلم «أيام السادات» عام 2001، من تأليف أحمد بهجت، وإخراج محمد خان، وبطولة أحمد زكي، الذي قدم فيه شخصية الرئيس أنور السادات، بما تميزت به من تفاصيل دقيقة، سواء في أسلوب الحوار أو الخطاب أو الحياة العائلية.
ترى.. كم فيلمًا سنشاهد اليوم في ذكرى الثورة؟
