”النماء“ ليست مجرد اسم.. كيف يتحول الصحفي والمواطن من ”مستهلك“ إلى ”شريك“ في ثروة المستقبل؟
بين مطرقة التضخم وسندان الدخول الثابتة، لم يعد الانتظار خياراً آمنًا؛ فالمستقبل يطرق أبواب من يملكون الجرأة على تغيير أدواتهم، من قلب القاهرة، انطلقت شرارة "النماء" لتعلن نهاية عصر "الموظف التقليدي" وبداية عصر "الشريك المستثمر"، في رؤية تقلب موازين الاقتصاد الإعلامي والزراعي رأساً على عقب.
ملامح عهد جديد: مؤتمر الحلول التنفيذية يكسر قيود النظرية
لم يكن مؤتمر "الحلول التنفيذية لتنمية دخول الكيانات المهنية في القطاع الإعلامي" مجرد تجمع للنخب، بل كان منصة إطلاق لنماذج عمل تلامس واقع المواطن المصري والعربي، وفي ظل تقلبات اقتصادية عالمية لم تترك أخضر ولا يابساً، جاءت الرسالة واضحة، الاستثمار في المهارة والتطبيق هو طوق النجاة الوحيد.
أكدت جلسات المؤتمر أن الاعتماد على مصدر دخل واحد في عام 2026 وما يليه هو نوع من "المخاطرة غير المحسوبة"، والتحول نحو أنماط متعددة للدخل ليس رفاهية، بل هو ضرورة لتعزيز الاستقرار المالي، وهذا التحول لا يحدث عبر "ضربة حظ"، بل عبر بناء قدرات حقيقية وفهم عميق لآليات السوق وإدارة الموارد بكفاءة، وهو ما تتبناه مؤسسة "النماء" كمنهج عملي.
د. علاء العيسوي: تحويل الفرد من عبء استهلاكي إلى رقم صعب
في تحليل استراتيجي عميق، أوضح الدكتور علاء العيسوي، مدير اتحاد المستثمرين العرب، أن تنمية الأفراد هي "الفكرة المركزية" للمرحلة القادمة، والهدف ليس مجرد تعليم الفرد كيف يدخر، بل كيف يتحول إلى عنصر فاعل داخل المنظومة الاقتصادية للدولة.
النقاط الجوهرية في رؤية العيسوي:
-
بناء وعي استثماري يتجاوز "الأوعية التقليدية" ذات العائد المحدود.
-
ربط الأفراد بفرص اقتصادية واقعية داخل وخارج الحدود.
-
تحويل المدخرات الصغيرة إلى وقود لمشروعات تنموية كبرى.
مؤسسة "النماء".. التكامل المؤسسي العابر للحدود
من جانبها، كشفت الدكتورة دينا صادق، مستشار اللوجيستيات والجمارك بالاتحاد الدولي لرجال الأعمال والمستثمرين، عن وجه آخر للنجاح يتمثل في "الشراكة الذكية"، و"النماء" لا تعمل ككيان منعزل، بل كمنظومة تعتمد على إعادة تدوير وتنمية الأعمال عبر فرق متخصصة.
ويُعد امتداد مشروعات المؤسسة إلى القارة الإفريقية بالتعاون مع شركاء من شرق آسيا، يعكس رؤية ثاقبة لربط القدرات المحلية بالأسواق العالمية، مما يفتح آفاقاً لتنمية الفرد باعتباره "محور العملية الاقتصادية" وليس مجرد ترساً في آلة.
الزراعة والإعلام: جناحي النهضة الاقتصادية بـ 100 مليار دولار
لا تكتفي "النماء" بالأفكار، بل تضع أرقاماً طموحة على الطاولة، وفي القطاع الزراعي، تستهدف الرؤية الوصول بصادرات مصر إلى 100 مليار دولار.
كيف سيتحقق ذلك؟
-
نموذج إنتاجي متكامل: يرفع كفاءة الإنتاج المحلي.
-
بنك الأعمال والأنشطة: كيان مالي وخدمي متخصص لدعم المصدرين.
-
التوسع النوعي: من خلال 17 شركة تابعة للمجموعة تغطي 12 نشاطاً رئيسياً، من الزراعة إلى الإنتاج الفني.
ويعود هذا التنوع جذوره إلى دروس الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث أدركت المجموعة أهمية "المرونة"، ومنذ عام 2021، تم تبني فكر "الشركات المساهمة" التي تضم مستثمرين متعددين، مع تدعيم البنية القانونية وإدارة المخاطر لضمان عدم توقف عجلة النمو.
حسام سامي: من "صاحب راتب" إلى "شريك في الأصول"
المدير التنفيذي لمجموعة شركاء النماء، حسام سامي، وضع إصبعه على الجرح الاقتصادي؛ فالهدف هو تمكين الأفراد عبر تحويلهم إلى شركاء في مشروعات حقيقية (زراعية، طبية، إعلامية).
المعادلة المتوازنة للنماء:
-
البعد الاجتماعي: تقديم خدمات علاجية بنظام تقسيط بدون فوائد.
-
العائد الاستثماري: تحقيق أرباح مستدامة من أصول حقيقية.
-
إحياء الأمل: إعادة تشغيل المصانع المتعثرة عبر حلول تكنولوجية وتسويقية متكاملة.
ثورة في الوعي: إعلام "نور" وبناء الإنسان
لم يغفل المؤتمر دور "الكلمة"، د. ياسر شكر، مدير القطاع الإعلامي، استعرض رؤية شاملة لبناء وعي مجتمعي، فالأمر لا يتعلق بالترفيه فقط، بل بإنشاء منصة تعليمية وقنوات متخصصة في ريادة الأعمال تستهدف الأسواق الإفريقية والأوروبية، ببنية إنتاجية تضم شركات في السينما والإعلام الرقمي، تستعد "النماء" للمنافسة العالمية بمحتوى يعكس الواقع ويدفع بالوعي الاقتصادي للأمام.
ملاك إسحاق: إعادة تعريف الاقتصاد لخدمة الإنسان
في حديث اتسم بالعمق الاستراتيجي، استعرض ملاك إسحاق، المؤسس ورئيس قطاع التخطيط الاستراتيجي، فلسفة "النماء"، ويرى إسحاق أن الأزمات العالمية (من 2008 إلى كورونا) أثبتت هشاشة "الاقتصاد النقدي" البحت.
محاور التغيير الاستراتيجي:
-
الانتقال إلى "الاقتصاد الحقيقي": التركيز على إنتاج السلع والخدمات بدلاً من المضاربات النقدية.
-
المحافظ المتنوعة: توزيع الاستثمارات (عقارات، زراعة، صناعة) لتقليل المخاطر.
-
بنك الأنشطة: بديل عملي للأوعية الادخارية التقليدية، يوجه الأموال للإنتاج.
-
الاستثمار في "المستقبل": الدخول في قطاعات الطاقة النظيفة، إعادة تدوير المخلفات، وإنتاج الغاز الحيوي (الميثان).
مبادرة إنقاذ "فرسان الكلمة": من موظف إلى صاحب مؤسسة
لعل أبرز ما تضمنه المؤتمر هو اللمسة الوفائية والمهنية تجاه الصحفيين، وأعلن ملاك إسحاق عن إطلاق ورش عمل لتأهيل الكوادر الصحفية لإدارة مؤسسات إعلامية يكونون شركاء فيها.
تأتي هذه الخطوة كاستجابة مباشرة لانهيار أجور الصحفيين بعد عام 2011، بهدف تحويل "هزيمة الصحافة" إلى "تجارب نجاح" قادرة على نقل الوعي السليم، بعيداً عن ضغوط الحاجة المادية التي قد تشوه الرسالة الإعلامية.
لغة الأرقام: "قناة نور" كنموذج استثماري ضخم
تعتبر "قناة نور" التجسيد العملي لرؤية النماء، حيث:
-
حجم الاستثمار: يتراوح بين 20 إلى 30 مليون دولار.
-
القيمة الإنتاجية والبشرية: تُقدر بنحو 70 مليون.
-
هيكل الملكية: 20% للأفراد، 30% لمؤسسة النماء، ونحو 50-60% استثمارات خارجية.
يضمن هذا الهيكل تدفق السيولة واستدامة النمو، ويجعل من القناة كياناً اقتصادياً عملاقاً يدعم الحركة الإنتاجية في الدولة.
التكامل هو المخرج الوحيد
يُعد "النماء" تقدم نموذجاً يثبت أن الدولة والمجتمع والقطاع الخاص يجب أن يعملوا كتروس في محرك واحد، والحلول الفردية لم تعد تجدي، والمستقبل ملك لمن يستثمر في "الإنسان" أولاً، ويحول التحديات إلى فرص عبر التخطيط الاستراتيجي والإدارة الرشيدة.

