الخميس 4 يونيو 2026 01:47 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

النائبة أميرة أبو شقة تكتب: القدوة الغائبة

الأحد 22 فبراير 2026 01:33 مـ 5 رمضان 1447 هـ
النائبة أميرة أبو شقة
النائبة أميرة أبو شقة

في كل عام، يأتي «رمضان» زاخرًا بالمعاني، ومثقَلًا بالروحانيات، حاملًا معه فرصة نادرة لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية والنفسية، لأنه في جوهره، تجربة انضباط قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام، وتدريبًا على ضبط الرغبات، وتهذيبًا للنفس.

اليوم، أصبح شهر الصيام ـ لدى قطاع واسع من الشباب والصغار ـ أقرب إلى «خيار مرن»، يُؤخذ منه ما يُناسب المزاج، ويُترَك منه ما لا يتماشى مع نمط الحياة، وكأننا أمام «اشتراك شهري» لصيامٍ بلا صبرٍ، وعبادةٍ بلا خشوعٍ، وأخلاقٍ بلا التزام!

لعل المقارنة بين الماضي والحاضر، تكشف بوضوح، عن فجوة واضحة في ثقافة الاحتمال.. أجيال سابقة صامَت في ظروف أشد قسوة، دون أن يتحول الصيام إلى معضلة يومية، ولم يكن الأمر مجرد قوة جسدية خارقة، بل منظومة وعيٍ ترى في الصيام واجبًا لا خيارًا، وفي المشقة العابرة قيمة لا عبئًا.

أما المفارقة المؤلمة فهي ليست في «التساهل» ذاته، بل في تبريره بثقة كبيرة، فلم يعد الأمر خجلًا من تقصير، بل إعلانًا عن «أسلوب شخصي»، وكأن الشهر الفضيل بات عند البعض مجرد خلفية زمنية، لا إطارًا قيميًّا وأخلاقيًّا!

إن توصيف الصيام ـ لدى بعض الشباب ـ بأنه «رفاهية» بدلًا من «فريضة»، مؤشر خطير على «وكسة» حقيقية، وتحوُّل مزلزٍل، لأنه حين تصبح «الشعائر» خاضعة لمنطق المزاج والراحة، تفقد تدريجيًّا وظيفتها التربوية، ويتسلل منطق «التساهل» أو «اللامبالاة»، إلى تطبيق مفهوم الالتزام والمسؤولية.

تعلمنا صغارًا المقولة الشهيرة «إن لم تستحِ فافعل ما شئت»، للتحذير والتذكير بأن الحياء هو خط الدفاع الأخير، أما اليوم، فيبدو أننا تجاوزنا مرحلة الحياء أصلًا، وأصبح المشهد العام يُجافي العقل والمنطق، فضلًا عن الأخلاق والدِّين والعُرف والقٍيَم والتقاليد، فلا حديث عن قُدسية، ولا اعتبارًا لخصوصية الشهر، وكأننا نعيش حالة «تطبيع كامل» مع تفريغ كل ما هو مُقَدَّس من معناه!

لكن تحميل الشباب وحدهم المسؤولية قد يكون تبسيطًا غير دقيق لـ«الوكسة»، فالأجيال الجديدة هي نِتاج البيئة والمجتمع، وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: أين دور الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للقِيَم؟، فالأبوان ليسا موجِّهَين فحسب، بل نموذجًا عمليًّا حيًّا، والطفل لا يتعلم الصيام من النصوص بقدر ما يتعلمه من المشهد المنزلي، حيث احترام الشعيرة، وطقوس الإفطار، ولغة الحديث عن «رمضان»، بوصفه موسمًا للسمو لا أيامًا للحرمان، وبالتالي حين يضعف النموذج، تتبدل القناعات وتتآكل تدريجيًّا.

لقد تراجعت وظيفة الأسرة من كونها مصدَرًا للقِيَم، كما لم يعد البيت مصنعًا للتربية والتقويم.. وفي غياب التوجيه، فلا غرابة أن يبحث الجيل الجديد عن قدوات بديلة، أو بدائل للقدوة أصلًا!

في الماضي، كان الشباب يضعون «بوسترات» لنجوم غربيين على الجدران، في محاولة للتشبه أو التمرد أو حتى الإعجاب الساذج، أما اليوم، فقد أصبحت القدوة أكثر غرابة.. «خوارزميات»، نماذج ذكاء اصطناعي، مؤثرون تافهون، وبالتالي لم تعد المسألة تقليد شخص، بل محاكاة نمطٍ رقميٍّ سريع الزوال!

إننا لسنا أمام أزمة تَدَيُّن بقدر ما نحن أمام أزمة معنى.. أزمة علاقة بالقِيَم وبالزمن وبالذات، فرمضان لم يتغير، لكن علاقتنا به تغيرت، و الأخلاق لم تختفِ، لكنها فقدت مركزيتها، والأسرة لم تنعدم، لكنها تراجعت عن موقعها الطبيعي، والقدوة لم تمت، لكنها أصبحت سلعة نادرة.

كما أن المجتمع الذي يغيب عنه نموذج يُحتذى، هو مجتمع يترك أفراده للتجربة العشوائية، والمراهَقة حين لا تجد إطارًا قِيَمِيًّا واضحًا، تتحول إلى حالة شاذة، لا مرحلة عابرة، وهنا نجد أنفسنا أمام أجيال تمتلك أدوات غير مسبوقة، لكنها تفتقر كثيرًا إلى مرجعية داخلية متماسكة.

أخيرًا.. لسنا في حاجة إلى خطاب وعظي تقليدي، ولا إلى جَلْدٍ جماعيٍّ للذات، فما نحتاجه هو مراجعة صادقة، تبدأ بإعادة الاعتبار لدور الأسرة، وإحياء فكرة القدوة الحقيقية، وليس انتهاء بإعادة تقديم القِيَم بوصفها ضرورة وجودية لا عبئًا اجتماعيًّا، لأن ما نعيشه ليس مجرد «وكسة» عابرة، بل إشارة إنذار وتحذير بكارثة متوَقَّعَة.