النائبة أميرة أبو شقة تكتب: تعرف حد في...
أيًّا تكن وظيفتك، وأيُّ شخص تكون؟، لا يكاد يمر يوم دون أن تُفاجأ بسؤال عابر، يبدو بسيطًا في صيغته، عميقًا في دلالته: «تعرف حد في…؟»، المرور، الجوازات، الجامعة، في الوزارة، في أي مصلحة حكومية «يمشِّي الدنيا»؟
سؤال تتلقاه أحيانًا بشكل عفويٍّ، وأحايين أخرى بصيغة رجاء، وفي كثير من الأوقات بنبرة يقينٍ راسخٍ بأن الأمور لا تسير في مسارها الطبيعي، إلا إذا وُجد هذا «الحد»، وكأن السؤال لم يعد استثناءً عابرًا، بل جزءًا من تعاملاتنا اليومية، ومنطقًا موازيًا للتعامل مع مؤسسات الدولة!
هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، لا يُطرح من فراغ، ولا يعيش خارج السياق العام للحياة اليومية، لأنه نِتاج تراكمٍ طويلٍ من التجارب الصغيرة المُحبِطة، والمواقف العابرة التي تتحول مع الوقت إلى قناعة راسخة بأن الطريق الطبيعي لا يؤدي بالضرورة إلى الغاية، وأن «الإجراء الرسمي» قد يكون أطول وأكثر تعقيدًا مما ينبغي!
من هنا، لا يأتي السؤال بوصفه «نزوة اجتماعية» أو «حيلة عابرة»، بل كاختصارٍ ذهنيٍّ لرحلة شاقة، يعرف المواطن محطاتها جيدًا، كما يعرف مسبقًا أن نهايتها قد لا تُرضيه.. ما لم يُحسن اختيار «الدليل»!
قد يبدو السؤال بريئًا، لا يحمل اتهامًا مباشرًا ولا اعترافًا صريحًا، لكنه في جوهره يكشف عن إشكالية أعمق تتفرع إلى مسارين متداخلين، الأول واضح وصريح، وهو طلب غير مشروع، يراد به تمرير ما لا يجوز، أو التغاضي عن مخالفة، أو الحصول على استثناء لا يستند إلى قانون!
هنا يصبح السؤال مرادفًا مباشرًا للفساد، مهما اختلفت المسمَّيات أو أسلوب الخطاب، فلا فرق جوهريًّا بين من يدفع رشوة، أو من يبحث عن «واسطة» لكسر قاعدة، لأن النتيجة واحدة، وهي قانون يُفرَّغ من مضمونه، وعدالة تُجزَّأ بحسب العلاقات!
أما المسار الثاني، فهو الأكثر انتشارًا والتباسًا، وربما الأكثر تعبيرًا عن أزمة الإدارة لا أخلاق الأفراد، وفي هذا السياق، لا يطلب المواطن مخالفة، بل يطلب حقه الطبيعي، متمثلًا في إجراء قانوني بسيط، لكنه يصطدم بسلسلة لا تنتهي من النوافذ المغلقة، والتوقيعات المؤجلة، والعبارات الجاهزة من نوعية «تعالى بكرة»، و«السيستم واقع»، و«المدير مش موجود».. ومع تكرار المشهد، يتحول السؤال من خيار إلى ضرورة، ومن استثناء إلى حل عملي، لتجاوز البيروقراطية!
هنا لا يشعر المواطن بالذنب، لأنه لا يرى نفسه متجاوزًا، بل محاَصرًا، إذ لا يسعى إلى ميزة إضافية، بل يحاول فقط أن يحصل على حقه في وقت معقول وبحد أدنى من الكرامة.. وبين هذا وذاك، تضيع الحدود الفاصلة بين الوساطة كفساد، أو كأداة للتنفس داخل نظام خانق.. ومع مرور الوقت، يختلط الأمر، لتصبح «المعرفة» عملة متداوَلة، لا تقل أهمية عن المستندات المطلوبة!
لعل المفارقة أن السؤال نفسه أصبح مهارة اجتماعية مكتسبة، يجيدها فقط مَن يعرف متى يسأل، وكيف، ولمن؟، خصوصًا أن هناك من يبني شبكة علاقاته بالكامل على قاعدة «الدنيا مصالح»، ليس حبًا في النفوذ، بل تحسبًا للحظة احتياج قادمة لا محالة.. وهكذا، يتشكل «نظام» غير مكتوب، لا يُدار بالقوانين واللوائح، بل بالأسماء والأرقام المحفوظة في الهاتف!
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود هذا السلوك، بل في اعتياده، فحين يصبح السؤال عاديًا، والإجابة المتوقعة دائمًا «آه أعرف»، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويحل محلها الاعتماد على الأشخاص، وتتحول الدولة من نظام إلى شبكة علاقات، ومن قواعد عامة إلى استثناءات خاصة، وعند هذه النقطة، لا يعود الإصلاح الإداري مسألة تطوير أو رقمنة خدمات!
إذن، الحل لا يكون بتحميل المواطن وحده المسؤولية، ولا بتبرئة الموظف دائمًا، بل بالاعتراف بأن البيروقراطية المفرطة تُنتج الوساطة، وغياب المحاسَبة يفتح الباب واسعًا أمام الفساد الصغير الذي يتضخم مع الزمن.
أخيرًا.. عندما يحصل كل مواطن على حقوقه ويُطَبَّق القانون على الجميع، وتتلاشى الاستثناءات، ويكون الطريق الطبيعي هو الأقصر، والقانون هو الدليل الوحيد.. حينئذ فقط، لن نحتاج أن نسأل: «تعرف حد في... »؟

