الخميس 4 يونيو 2026 01:48 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

النائبة أميرة أبو شقة تكتب: عُطل جسيم!

الأحد 22 فبراير 2026 01:45 مـ 5 رمضان 1447 هـ
النائبة أميرة أبو شقة
النائبة أميرة أبو شقة

في لحظات كثيرة، نكتشف مدى شدة تعلقنا بـ«شبكة الإنترنت»، إلى الحَدِّ الذي يجعلنا لا نستطيع تصور حياتنا بدونها، أو مجرد الاستغناء عنها، لبضع ساعات فقط.. خصوصًا في ظل ارتباطها الوثيق بأعمالنا واهتماماتنا.

ربما لم يخطر على بال أحدٍ، ولو للحظةٍ، ذلك الأثر الكبير الذي قد يُخالف أكثر توقعاتنا، لأن «الناس يستبعدون فكرة انقطاعه التام، وفي الوقت نفسه لا يُدركون مدى تغلغل (الإنترنت) في كافة تفاصيل حياتهم»، بحسب «وليام داتون».

قبل عام 2008، حاول «جيف هانكوك» الأستاذ بجامعة ستانفورد الأمريكية، تحدِّي طلابه لقياس قدرتهم على الاستغناء عن (الإنترنت) ليومين فقط، خلال عُطلة نهاية الأسبوع، لكنه فوجئ بالنتيجة، مُعلِّقًا: «عندما عرضتُ على الطلبة هذا التحدي، ثارت ثائرتهم، مؤكدين أن تلك الفَرَضية مستحيلة وجائرة»، ليضطر إلى إلغاء هذا التحدي تمامًا، ولم يحاول تكراره مرة أخرى!

الآن، نعيش في عالمٍ اعتاد أن يستيقظ كل صباح على نشرة أزمات جديدة، إذ لم تعد الحروب أحداثًا استثنائية، بل صارت جزءًا من المشهد اليومي، من روسيا وأوكرانيا، حيث تُدار المعارك ببرود جغرافي، وحسابات تاريخية مؤجلة، إلى إيران التي تعيش على صفيح ساخن، ما بين ضغط الخارج وغليان الداخل، ثم فنزويلا الغارقة في مفارقة بلدٍ يطفو على النفط ويغرق في الفقر، وصولًا إلى اليمن الذي صار اسمه مرادفًا للحروب بالوكالة.

لقد أصبح العالم وكأنه مختبر مفتوح للفوضى، تُجرَّب فيه كل وصفات الانهيار، مع فارق واحد وهو أن الشعوب هي دائمًا حقل التجارب.. ووسط هذا المشهد المشتعل، يطفو على السطح هاجس، يبدو للوهلة الأولى تقنيًّا، لكنه في جوهره سياسي بامتياز، حيث تُتَدَاول الآن أقاويل وشائعات تغزو العالم، باحتمالية انقطاع (الإنترنت)!

لعل المفارقة أن العالم الذي يتباهى بالذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، يبدو في لحظة الحقيقة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.. حضارة كاملة معلقة بـ«إشارة»، ومصائر دول مرتبطة بـ«سيرفرات»، قد تكون في قارة أخرى!

في ظل تلك الأجواء الدولية المتأججة، والصراعات المشتعلة، تبدو احتمالية انقطاع (الإنترنت) واردة، إذ لم تعد مجرد سيناريو خيال علمي، بل احتمالٌ يُناقَش في مراكز القرار، ويُختبَر أحيانًا في دول تعيش على هامش التكنولوجيا، لم تصل بعد إلى جيل الـ5G.

إذن، ماذا لو انقطع الإنترنت؟ ذلك الشريان الخفي الذي صار عصب الحياة الحديثة، خصوصًا أن العالم اليوم لا يُحارِب فقط بالأسلحة، بل بالمعلومات، والبنية التحتية الرقمية، التي صارت هدفًا استراتيجيًّا، لا يقل أهمية عن المطارات والموانئ.

كما يبرز سؤال أكثر حساسية: ما مصير دول كثيرة، ومنها مصر، في عالمٍ قد يُفاجَأ يومًا بصمتٍ رقمي شامل؟، وهي التي تعتمد في إدارتها واقتصادها وخدماتها على شبكة رقمية متشابكة، لا تحتمل ببساطة رفاهية «التجربة»، لأنه حين يكون «السيستم واقع»، كما جرت العادة، لا يعود انقطاع (الإنترنت) مجرد عطل تقني أو جسيم، بل يتحول إلى اختبار وجودي لقدرة الدولة على الاستمرار.

عندما تكون هناك دول مثقلة بالأعباء الاقتصادية والديون، وشديدة الاعتماد على الخدمات الرقمية، في ظل إدارات تميل إلى المركزية، فإن كل ذلك يجعل من أي خلل في (الإنترنت)، أشبه بزلزال أو إعصار لا يمكن تحمل تبعاته.

إن الخطر الحقيقي ليس في اشتعال الجبهات، بل في اعتيادنا عليها، وفي تعاملنا مع الكوارث كأنها قدرٌ يومي لا فكاك منه، والحاصل أنه بينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، تبقى الدول «النامية» هي الحلقة الأضعف، إذ لا يمكنها أن تحتمل إضافة أزمة جديدة، إلى قائمة أزماتها المفتوحة.

لذلك، نعتقد أن الدول «النامية» التي لا تحتمل الصدمات، ليس أمامها سوى خيار واحد، وهو أن تُصلح «السيستم»، قبل أن يُطفأ «الراوتر» فجأة، ويكتشف الجميع أن العالم أصبح «غير متصل» أو «Offline».

أخيرًا.. يبدو التساؤل المنطقي في عصر اللامنطق: ماذا لو توقفت شبكة الإنترنت عن العالم فجأة، ودفعة واحدة، بسبب «عُطْلٍ جسيم»، هل سنعود إلى العصر الحجري، أو أنه لا شيء سيتغير، أم سنرجع إلى حياتنا السابقة «البدائية»!