الخميس 4 يونيو 2026 01:48 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

بين المياه وسلاسل التوريد.. كيف تحصّن مصر أمنها الغذائي في زمن الأزمات؟

الجمعة 6 مارس 2026 02:42 مـ 17 رمضان 1447 هـ
القمح
القمح

في ظل اضطرابات التجارة العالمية وتصاعد التوترات الإقليمية في منطقة الخليج، تتحرك مصر بخطوات متوازية لحماية أمنها الغذائي، فبين ترشيد استهلاك المياه وتوسيع الزراعة الذكية، وبين تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، تحاول الدولة بناء درع اقتصادي يحمي السوق المحلية من صدمات الأزمات العالمية، الاستراتيجية الجديدة لا تتوقف عند زيادة الإنتاج فقط، بل تمتد إلى إدارة الموارد المائية بكفاءة وتطوير سلاسل الإمداد، لضمان توافر الغذاء واستقرار الأسعار للمواطنين.

الزراعة تستهلك 80% من المياه وتحول تدريجي نحو محاصيل أقل استهلاكًا

قال الدكتور أشرف فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز بحوث الصحراء، إن الدولة المصرية بدأت منذ عام 2020 تنفيذ استراتيجية زراعية محدثة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية، وأوضح أن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية في مصر، ما دفع الحكومة إلى تبني سياسات جديدة تشمل:

  • استنباط سلالات زراعية تتحمل الجفاف والملوحة

  • تقليل استهلاك المياه في المحاصيل كثيفة الري

  • التوسع في نظم الري الحديث مثل الري بالتنقيط والرش

  • استكمال مشروع تبطين الترع والمصارف لتقليل الفاقد المائي

وتشير التقديرات الزراعية إلى أن التحول الكامل إلى نظم الري الحديثة يمكن أن يوفر مليارات الأمتار المكعبة من المياه سنويًا خلال السنوات المقبلة.

تقليص قصب السكر والتوسع في البنجر

ضمن سياسات ترشيد المياه، تعمل الدولة على تقليص تدريجي لمساحات قصب السكر، أحد أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه، مع التوسع في زراعة بنجر السكر في مناطق مثل:

  • غرب المنيا

  • النوبارية

  • الأراضي الصحراوية المستصلحة

ويعد البنجر خيارًا أكثر كفاءة مائيًا، حيث يستهلك كميات أقل بكثير مقارنة بقصب السكر، مع الحفاظ على إنتاج السكر محليًا.

محاصيل بديلة توفر نصف المياه

كما يجري التوسع في استخدام محاصيل بديلة في قطاع الأعلاف، أبرزها محصول البانيكم الذي يُعد بديلًا لبعض مساحات البرسيم التقليدي.

مقارنة استهلاك المياه بين المحصولين

المحصول استهلاك المياه للفدان
البانيكم 1500 – 2000 م³
البرسيم التقليدي 3000 – 4000 م³

هذا الفارق الكبير في استهلاك المياه يعكس أهمية التحول نحو محاصيل أكثر كفاءة مائيًا في ظل محدودية الموارد.

الأرز سلالات جديدة تقلل استهلاك المياه

رغم أن الأرز من المحاصيل الاستراتيجية الأساسية للأمن الغذائي، فإنه يعد أيضًا من أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه بسبب الاعتماد على نظام الري بالغمر.

وللتعامل مع هذه المعادلة، تعمل الدولة على:

  • استنباط سلالات أرز قصيرة العمر

  • تقليل فترة الزراعة من 125 يومًا إلى نحو 100 يوم

  • تحديد مناطق الزراعة بدقة

ومن أبرز هذه السلالات الأصناف 101 و102 التي يمكن أن تخفض استهلاك المياه بنحو 10% مقارنة بالأصناف القديمة.

البحث العلمي مفتاح الزراعة في المستقبل

أكد فياض أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب تعزيز البحث العلمي الزراعي لإنتاج أصناف محسنة من المحاصيل الاستراتيجية مثل:

  • القمح

  • الذرة

  • القطن

  • الشعير

  • بنجر السكر

  • عباد الشمس

  • الفول

وتهدف هذه الأبحاث إلى تطوير محاصيل أكثر إنتاجية وأقل استهلاكًا للمياه وأكثر مقاومة للملوحة والجفاف.

مخزون استراتيجي يكفي حتى 12 شهرًا

على جانب آخر، قال هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة، إن مصر تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من السلع الأساسية يكفي الاستهلاك المحلي لفترات تتراوح بين 6 أشهر وسنة حسب نوع السلعة، وأوضح أن أبرز السلع المخزنة تشمل:

  • القمح

  • الأرز

  • السكر

  • الخضراوات الأساسية

وأضاف أن الإنتاج المحلي إلى جانب هذا المخزون يضمن استقرار السوق المصرية حتى في حال حدوث أزمات عالمية أو اضطرابات في سلاسل الإمداد.

الصوامع الحديثة درع مصر الغذائي

ضمن استراتيجية تأمين الغذاء، توسعت الدولة في إنشاء صوامع حديثة ومحازن استراتيجية لحفظ الحبوب لفترات طويلة دون تلف، وهذه المشروعات ساهمت في:-

  • تقليل فاقد القمح والحبوب

  • رفع كفاءة التخزين

  • ضمان توافر السلع الأساسية على مدار العام

ويعد تطوير منظومة التخزين أحد أهم عناصر تعزيز الأمن الغذائي في مصر.

الأمن الغذائي بين الاقتصاد والمصلحة الوطنية

يشير خبراء الاقتصاد الزراعي إلى أن أي قرارات تتعلق بتقليص زراعة محاصيل معينة يجب ألا تُبنى فقط على حسابات التكلفة، بل يجب أن تراعي الأبعاد الاستراتيجية للأمن الغذائي.

وشدد الدجوي على أن تقليل زراعة محاصيل مثل القمح أو الأرز يجب أن يتم بحذر شديد، مع مراعاة مصالح الفلاحين وضمان استمرار الإنتاج المحلي.

معادلة صعبة الغذاء مقابل المياه

مع محدودية الموارد المائية وارتفاع الطلب على الغذاء، تواجه مصر تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على المياه وضمان الاكتفاء الغذائي، لكن عبر تطوير الزراعة الذكية، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، والاستثمار في البحث العلمي، تحاول الدولة بناء نظام غذائي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات العالمية.