الخميس 4 يونيو 2026 01:52 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

“حق الملح” في عيد الفطر.. تقليد قديم بين الامتنان والجدل هل يختفي بهدوء؟

الأربعاء 18 مارس 2026 02:30 مـ 29 رمضان 1447 هـ
حق الملح
حق الملح

في صباح عيد الفطر، لا تكون القهوة مجرد عادة يومية في بعض بيوت المغرب العربي، بل تتحول إلى لحظة رمزية تحمل معنى الامتنان، تقليد بسيط ظاهريًا، لكنه يكشف قصة أعمق عن الحب والتقدير، وسط جدل متصاعد حول استمراره في زمن مختلف.

قصة فنجان قهوة يتحول إلى هدية

في هذا التقليد، لا يُعاد فنجان القهوة الصباحي فارغًا للرجال، بل يوضع بداخله شيء ثمين، غالبًا قطعة من الحلي، كنوع من رد الجميل للنساء داخل الأسرة، حيث يُعرف هذا الطقس باسم “حق الملح”، في إشارة إلى الدور الذي تقوم به المرأة خلال شهر رمضان.

يرتبط الاسم بعادة تذوق النساء للطعام أثناء الطهي لضبط الملح قبل تقديمه، وهو أمر يُجيزه الفقه الإسلامي دون بلع الطعام، ومن هنا، أصبح هذا “الحق” رمزًا معنويًا لتقدير الجهد اليومي الذي تبذله النساء في خدمة الأسرة.

حكاية قديمة تعيش في الذاكرة

تعود إحدى الروايات الشائعة إلى حقبة الدولة العثمانية، حين سقطت قطعة نقدية في فنجان قهوة أمام زوجة تاجر ثري خلال صباح العيد، اعتبرتها الزوجة نصيبها، لكنها رأت أن قيمتها لا تساوي “حق الملح”، ليقرر الزوج لاحقًا تعويضها بدينار من الذهب.

ورغم الجدل حول دقة هذه القصة، فإنها ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية، وانتقلت كفكرة رمزية من تونس إلى بقية دول المغرب العربي، لتصبح جزءًا من طقوس العيد لدى بعض العائلات.

بين التقدير والانتقاد

اليوم، لم يعد “حق الملح” مجرد تقليد اجتماعي، بل أصبح موضوع نقاش واسع، فبينما يراه البعض تعبيرًا راقيًا عن الامتنان للمرأة وتقديرًا لعملها غير المدفوع داخل المنزل، ينتقده آخرون باعتباره انعكاسًا لأدوار تقليدية قديمة، تُكرّس بقاء المرأة في المطبخ مقابل دور الرجل كمعيل، هذا التباين في الرؤى يعكس تحولات أعمق في المجتمعات، حيث لم تعد التقاليد تُقبل كما هي، بل تخضع لإعادة تقييم مستمرة.

تحديات الواقع تغير الشكل لا الفكرة

ومع الضغوط الاقتصادية الحالية، لم يعد تقديم الذهب خيارًا متاحًا للجميع، ما دفع الكثيرين إلى إعادة تفسير التقليد بشكل أكثر مرونة، فبدلًا من الحلي، أصبحت الهدايا الرمزية أو البسيطة وسيلة للحفاظ على الفكرة الأساسية: التعبير عن الحب والتقدير، إذ يبدو أن جوهر العادة لا يزال قائمًا، حتى وإن تغيرت وسائله.

هل يختفي “حق الملح”؟

رغم محاولات التمسك به، تشير بعض الآراء إلى تراجع هذا التقليد تدريجيًا، في ظل نمط حياة سريع ونزعة فردية متزايدة، وبين من يراه إرثًا يجب الحفاظ عليه، ومن يعتبره عادة تجاوزها الزمن، يقف “حق الملح” عند مفترق طرق.

وفي النهاية، ربما لا تكون القيمة في فنجان القهوة نفسه، بل في المعنى الذي يحمله، ذلك الشعور البسيط بأن الجهد لا يمر دون تقدير.