الخميس 4 يونيو 2026 01:51 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

فاطمة عمر تكتب: أبناؤنا… ضحايانا

الخميس 26 مارس 2026 03:04 مـ 7 شوال 1447 هـ
فاطمة عمر
فاطمة عمر

أقصى درجات التعاطف… وأعنف حدود اللوم، قلبٌ حزين، وعقلٌ معترض، ويدٌ مغلولة عن فعل شيء… وقلمٌ يحاول التعبير رغم عجز الكلمات.

مشاعر وأفكار تسير في طريقين متعاكسين، صنعت صراعًا داخليًا بين القلب والعقل، منذ أن قرأت تفاصيل حادث كرموز… ذلك الحادث الذي تجاوز حدود التصديق، وتخطّى قدرة الخيال.

أمٌّ تُقدم على إنهاء حياتها… وحياة أبنائها، لحظة يأس قاتلة، اجتمعت فيها قسوة المرض، وضيق العيش، وأبٌ فاشل مهمل، وقطيعة رحم… لتتحول الحياة إلى عبء لا يُحتمل.

حين وقعت عيناي على صور الأطفال، لم أرَ سوى براءةٍ حائرة…
حزنٍ أعمق من أن تبوح به العيون…
وأسئلةٍ معلقة عن مستقبلٍ لم يُكتب له أن يبدأ.

لكن السؤال الذي يطارد العقل قبل القلب:
كيف يصل اليأس برحم الحنان إلى أن تقتل أبناءها واحدًا تلو الآخر؟
وفي ليلة هي خيرٌ من ألف شهر؟!
ولماذا لم يُستبدل اليأس بالدعاء؟
ومن المسؤول عن هذه النهاية المفجعة؟

هل هو اختيار خاطئ لزوجٍ عاجز؟
وإن كان كذلك… فلماذا الاستمرار؟ ولماذا إنجاب هذا العدد من الأبرياء؟!

لكن السؤال الأثقل… والأكثر إيلامًا:
دم هؤلاء الأطفال… في رقبة من؟

في تقديري، هذه الجريمة ليست فردية… بل جماعية.
أطراف كثيرة ساهمت – بشكل مباشر أو غير مباشر – في صناعة هذه المأساة:

  • مجتمعٌ رسّخ في عقول بناته أن الزواج والإنجاب هو الغاية، لا الوسيلة لحياة مستقرة وسعيدة.

  • وغفل عن تعليمهن أن ينظرن للعيوب قبل المميزات… وأن يسألن أنفسهن: هل يمكن تحمّل هذا الإنسان؟ أم لا؟

  • أهلٌ لم يكونوا سندًا ولا سترًا لابنتهم المريضة، فتركوها تواجه الانكسار وحدها.

  • وعيٌ ديني حقيقي تراجع، فصارت المنابر أصواتًا مرتفعة بلا مضمون، لا تبني قلبًا ولا تصنع عقلًا قادرًا على التمييز.

  • مؤسسات تتحدث عن “المرأة” ليل نهار، بينما الواقع على الأرض يمتلئ بالعجز، والفقر، والخذلان.

  • منظومة صحية جعلت المرض بابًا لليأس، بدل أن تكون طريقًا للأمل… فقتلت في النفوس رغبة الشفاء.

ورغم كل ذلك…
تظل المسؤولية الأولى والأخيرة على:

  • أبٍ فشل في أداء دوره

  • وأمٍ جعلت من اليأس سكينًا، فذبحت به البراءة

الحقيقة المؤلمة التي لا نريد الاعتراف بها:
أبناؤنا ليسوا دائمًا ضحايا الظروف… بل ضحايا اختياراتنا.
ضحايا استمرارنا في حياة نرفضها، لكننا نخشى مواجهتها.

ما حدث في كرموز ليس مجرد حادث… بل إنذار قاسٍ.
إنذار بأن الإهمال، واليأس، وسوء الاختيار… قد يقودون إلى نهايات مأساوية.

رحم الله تلك الأم…
ورحم أبناءها الأبرياء…
وحفظنا جميعًا من لحظة ضعف، تكون نهايتها يأس… وفاجعة.