الجمعة 5 يونيو 2026 02:16 صـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

دكتور محمد المهدي يكتب لـ بشكاتب: ضياء العوضي والعلم الزائف

الإثنين 20 أبريل 2026 06:20 مـ 3 ذو القعدة 1447 هـ
دكتور محمد المهدي
دكتور محمد المهدي

توفي الدكتور ضياء العوضي، ونسأل الله له الرحمة والمغفرة، فقد كان محتاجًا للمساعدة الطبية، ولكن مريدوه أنكروا ذلك، ونفخوا في أفكاره، وضخموا تصوراته وتخيلاته، وقاوموا كل من فندها أو انتقدها على أساس علمي، واستغله آخرون لتحقيق مكاسب إعلامية على حساب الحقيقة، وعلى حساب صحته وسلامته الجسدية والنفسية، فكان ضحية لكل هؤلاء.

ولذا سأعيد نشر هذا المقال الذي نشرته وقت هوجة الترويج لفكرة الطيبات التي خالفت كل القواعد العلمية، وهنا أريد أن أنوه إلى فرق كبير بين الأفكار المضطربة وبين الإبداع، فالإبداع يصلح به الشخص ويُصلح به غيره ويستمر.

العلم الزائف وضلالات العصر

من وقت لآخر يخرج علينا طبيب يدعي أنه اخترع جهازًا يعالج الأمراض المستعصية في أقل وقت وبأقل تكلفة، ثم طبيب آخر يدّعي أنه يعالج فيروس C بوضع دجاجة على كبد المريض، وطبيب رابع يدّعي معرفة الأسرار الخفية للآثار المصرية القديمة، وطبيب خامس يدّعي علاج الأمراض المزمنة والمستعصية بنظام غذائي خاص دون استخدام أدوية.

والغريب أن هؤلاء الأطباء قد لقوا قبولًا وانبهارًا جماهيريًا واسعًا رغم انتقاد المجتمع العلمي لهم وتفنيده لآرائهم، ويبدو أن لدى الجمهور الواسع احتياجًا للحل الأسهل يجدونه عند هؤلاء الأطباء المثيرين للجدل، ونحن لا نسمي أحدًا منهم احترامًا للخصوصية الشخصية لهم رغم اختلافنا مع آرائهم.

تمهيد منهجي

هذا المقال يقدم تحليلًا نفسيًا ومعرفيًا لظاهرة العلم الزائف وضلالات اليقين في العصر الحديث، من خلال نموذج خطابي عام لأطباء مثيرين للجدل في المجال العام.

ولا يهدف المقال إلى تشخيص طبي أو نفسي لشخص بعينه، بل إلى تحليل نمط تفكير وسلوك معرفي كما يتجلى في الخطاب العام، وفق مناهج الطب النفسي، وعلم النفس المعرفي، وفلسفة العلم، وأخلاقيات الممارسة الطبية.

أولًا: تعريف العلم الزائف (Pseudoscience):

العلم الزائف هو منظومة ادعاءات تبدو علمية شكلًا، لكنها تفتقد جوهر المنهج العلمي، مثل:

  • القابلية للتكذيب (Falsifiability)

  • المنهج التجريبي القابل للتكرار

  • التحكيم العلمي والمراجعة النظيرة

  • القبول المؤقت للنتائج وإمكانية تعديلها

ثانيًا: السمات النفسية والمعرفية للعلم الزائف:

  • اليقين المطلق ورفض النسبية المعرفية

  • التمركز المعرفي حول الذات (Epistemic Egocentrism)

  • تحصين المعتقدات ضد التفنيد (Belief Immunization)

  • الخلط بين الخبرة الذاتية والدليل العلمي

  • الميل للخطاب الانفعالي واللغة الصدامية

ثالثًا: التحليل النفسي المعرفي لخطاب اليقين المطلق لدى الأطباء المثيرين للجدل:

  • انحياز الثقة المفرطة (Overconfidence Bias)

  • التفكير الحدسي مقابل التفكير التحليلي (Dual Process Theory)

  • التفكير السحري وشبه الخرافي في ثوب علمي

رابعًا: النرجسية الخطابية مقابل ضلالات العظمة:

من الضروري التمييز بين:

  • النرجسية الخطابية: تضخيم الذات، ادعاء التفوق، الحاجة للإعجاب، مع بقاء الاتصال بالواقع

  • ضلالات العظمة: معتقدات ثابتة خاطئة غير قابلة للتصحيح، غالبًا ضمن اضطرابات ذهانية

والخطاب العام محل التحليل يقترب أكثر من النمط الأول.

خامسًا: رفض الطب القائم على الدليل:

الطب القائم على الدليل (EBM) لا يُبنى على السلطة الفردية، بل على:

  • أفضل الأدلة البحثية

  • الخبرة الإكلينيكية المنضبطة

  • قيم وتفضيلات المريض

ورفض هذا الإطار من هؤلاء الأطباء أو غيرهم دون بديل منهجي يُعد خللًا معرفيًا وأخلاقيًا.

سادسًا: اللغة السوقية والانحدار المهني:

تشير الدراسات إلى أن تدهور اللغة المهنية يرتبط بـ:

  • ارتفاع العدوانية الدفاعية

  • ضعف التنظيم الانفعالي

  • البحث عن التأثير الجماهيري لا الحقيقة العلمية

سابعًا: فرضيات تفسيرية لخطاب وسلوك الأطباء المثيرين للجدل:

  • صدمة الإقصاء المهني والصدام المؤسسي

  • تشوه معرفي تراكمي بسبب العزلة العلمية

  • استراتيجية إعلامية تقوم على الاستقطاب

ثامنًا: الآثار المجتمعية للعلم الزائف:

  • تضليل المرضى

  • تقويض الثقة في المؤسسات الطبية

  • فتح الباب لنظريات المؤامرة

  • تهديد السلامة العامة

تاسعًا: الضوابط الأخلاقية للممارسة الطبية:

  • التواضع المعرفي

  • الالتزام بالمنهج الطبي القائم على الدليل

  • احترام الإجماع العلمي وتوصيات وبروتوكولات العلاج الصادرة عن المؤسسات العلمية المعتبرة

  • المسؤولية الاجتماعية

الخلاصة

يمثل العلم الزائف أحد أخطر ضلالات العصر، لأنه لا يكتفي بالجهل، بل يتسلح بيقين زائف وسلطة (وربما كاريزما) شخصية، ومواجهة هذه الظاهرة تكون بالتحليل العلمي الرصين، وترسيخ المنهج، وتوعية الجمهور، وإحياء التواضع المعرفي، ثم قيام المؤسسات الطبية مثل نقابة الأطباء ووزارة الصحة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لوقف الممارسات الخاطئة والضارة الصادرة عن هؤلاء الأطباء الذين خرجوا عن إطار مهنة الطب.