د.فتحي عامر يكتب لـ بشكاتب: الذكاء الاصطناعي عندنا.. ضجيج المؤتمرات وفقر الحقيقة
في بلادٍ اعتادت أن تلهث خلف “العناوين”، أصبح الذكاء الاصطناعي أحدث موضة أكاديمية وإعلامية. كل شيء فجأة صار يحمل لافتة “الذكاء الاصطناعي”؛ مؤتمرات، كليات، ورش عمل، أبحاث ترقية، بل وحتى ندوات لا علاقة لها بالتقنية من قريب أو بعيد. يكفي فقط أن نضع المصطلح اللامع على الغلاف حتى نتصور أننا دخلنا العصر، بينما الحقيقة أكثر قسوة وإيلاما.
صرنا نتحدث “عن” الذكاء الاصطناعي، لكننا لا نتحدث “في” الذكاء الاصطناعي. والفارق بين الكلمتين يساوي الفارق بين من يصف البحر، ومن يملك سفينة ويبحر فيه.
في السنوات الأخيرة، انتشرت المؤتمرات الجامعية التي ترفع شعار الذكاء الاصطناعي كما تُرفع لافتات المناسبات الاحتفالية. عناوين ضخمة، صور تذكارية، كلمات رنانة، وأبحاث يتم حشر فقرة صغيرة فيها عن “تأثير الذكاء الاصطناعي” حتى تصبح صالحة للعرض والترقية. أما الجوهر الحقيقي، وهو إنتاج المعرفة، وبناء النماذج، والاستثمار في الخوارزميات، وتطوير البنية التحتية الرقمية، فغائب تماما أو يكاد.
وللأسف، تحولت بعض الجامعات إلى ما يشبه “مكاتب علاقات عامة” للعصر الحديث، تقلد العالم المتقدم في الشكل فقط. نبني كليات تحمل اسم “الذكاء الاصطناعي”، بينما لا نملك معامل حقيقية، ولا قواعد بيانات ضخمة، ولا مراكز بحث قادرة على المنافسة الدولية، ولا تمويلًا جادًا لإنتاج تقنيات محلية. نستهلك ما ينتجه الآخرون، ثم نصفق لأنفسنا باعتبارنا جزءا من الثورة التقنية.
الحقيقة المؤلمة أننا في أغلب الأحيان لا ننتج الذكاء الاصطناعي، بل نستهلكه فقط. نستعمل ChatGPT وGemini وDeepSeek، ثم نتعامل مع استخدام هذه التطبيقات وكأنه إنجاز حضاري. الفرق كبير بين دولة تصنع النموذج، وتدربه، وتمتلك بياناته وخوارزمياته، ودولة تكتفي بفتح التطبيق والانبهار بإجاباته.
المشهد في كثير من الأحيان أقرب إلى “التمسح” بالمصطلح لا أكثر. الجميع يريد أن يبدو حديثًا ومتطورا، حتى لو كان الواقع خاليًا من أي مشروع علمي حقيقي. تسمع عن “ورش إنتاج الذكاء الاصطناعي”، بينما الورشة نفسها لا تتجاوز شرحًا لكيفية كتابة سؤال داخل تطبيق جاهز. وتقرأ عن “مؤتمر دولي للذكاء الاصطناعي”، ثم تكتشف أن معظم أوراقه تدور حول الإعلام أو الإدارة أو التسويق مع إضافة عنوان فرعي عن التقنية لإضفاء الوجاهة الأكاديمية، والسؤال المؤلم: لماذا وصلنا إلى هنا؟
ربما لأننا تأخرنا طويلا في الاهتمام الحقيقي بالعلم، وبأدوات جمع المعرفة، وبالاستثمار في الباحث والعقل والمعمل. وربما لأننا ما زلنا نتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها رفاهية أو “ديكورا حضاريًا”، لا مشروعا قوميا يرتبط بالأمن والاقتصاد والتعليم والإعلام ومستقبل الدولة نفسها.
العالم اليوم لا يتحرك بالكلام، بل بالاستثمار. الدول الكبرى لم تصل إلى ما وصلت إليه عبر المؤتمرات والصور التذكارية، وإنما عبر مليارات تضخ في البحث العلمي، وشركات عملاقة، وعقول يتم رعايتها منذ الطفولة، وجامعات مرتبطة بالصناعة والإنتاج لا بالشعارات، أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان نكتفي بالحديث عن الثورة الصناعية الرابعة ونحن نقف خارج المصنع أصلا.
لا أحد ينكر أهمية الوعي بالذكاء الاصطناعي، ولا ضرورة عقد المؤتمرات أو تدريس العلوم الحديثة، لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الأمر إلى مجرد “موضة” أو سباق شكلي للحاق بالعالم دون امتلاك أدوات اللحاق الحقيقية.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من اللافتات، بل إلى مشروع علمي حقيقي. لا نحتاج إلى تكرار المصطلح ألف مرة، بل إلى معامل، وتمويل، وعقول شابة تجد فرصة للابتكار بدل الاكتفاء بالاستهلاك والانبهار، فالعالم لا يحترم من يردد الكلمات… بل من يصنعها.!!

