أزمة تلوث الترع المبطنة في سوهاج | كيف يهدد الإهمال مشروع تبطين الترع؟
بين ليلة وضحاها، تحولت أحلام مزارعي سوهاج (إحدى محافظات مصر) في ريٍ نظيف ومياهٍ وفيرة إلى كابوس بيئي يهدد الصحة والزرع؛ فبعد أن أنفقت الدولة المليارات لتجميل الشرايين المائية، عادت يد الإهمال لتلوث "الإنجاز" بمخلفات تقتل الحياة في المجاري المائية.
شرايين الحياة في مواجهة "ثقافة القمامة"
في مشهدٍ يدمي القلوب، تقف مشروعات تبطين الترع في محافظة سوهاج شاهدةً على صراع مرير بين إرادة الدولة للتطوير وسلوكيات فردية مدمرة، لم تعد الترع تلك القنوات الطينية العشوائية، بل أصبحت تحفاً هندسية كلفت الخزينة العامة مبالغ طائلة، لكن الجولات الميدانية في قرى مراكز "طهطا، وطما، والبلينا، وساقلتة، وأخميم" كشفت عن واقعٍ مؤلم؛ مخلفات بلاستيكية، بقايا حيوانات نافقة، وركام بناء يغلق مسار المياه الذي تم تنظيمه بـ "المسطرة".

ويطرح هذا التناقض الصارخ تساؤلاً جوهرياً، هل يكفي التبطين الخرساني وحده لحماية أمننا المائي، أم أننا بحاجة إلى "تبطين عقول" البشر قبل جدران الترع؟
أرقام تتحدث.. إنجاز ضخم يهدده "الانسداد"
تعكس لغة الأرقام في سوهاج حجم الجهد المبذول؛ حيث تم تأهيل وتبطين 164 ترعة بإجمالي أطوال بلغت 516 كيلومتراً، وهذا المشروع، الذي يعد ركيزة أساسية في مبادرة «حياة كريمة»، استهدف بالأساس:
-
تقليل الفاقد من المياه بنسب تتراوح بين 15% إلى 19%.
-
ضمان وصول المياه لنهايات الترع التي كانت تعاني الجفاف لسنوات.
-
تحسين المظهر الحضاري للريف المصري.
لكن، وبحسب شهادات الأهالي، فإن تراكم القمامة بدأ بالفعل في إعاقة حركة المياه، مما يهدد بعودة "أزمات العطش" في نهايات الترع، ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب "سد" من المخلفات المنزلية.
تداعيات كارثية: الزراعة والصحة في خطر
من جانبه، حذر المهندس وليد عبد المحسن، وكيل وزارة الزراعة بسوهاج، من أن هذا التلوث ليس مجرد تشوه بصري، بل هو قنبلة موقوتة، فالمياه الملوثة بالحيوانات النافقة والمواد الكيميائية من المخلفات البلاستيكية تؤدي إلى:
-
تراجع جودة المحاصيل: مما يؤثر على سمعة الصادرات الزراعية وصحة المستهلك المحلي.
-
التكلفة المضاعفة: الدولة تضطر لإنفاق مبالغ إضافية على "التطهير الدوري" الذي كان يُفترض أن يتراجع بعد التبطين.
-
البيئة الحاضنة للأوبئة: تحول المجاري المائية إلى بؤر لتكاثر البعوض والحشرات، مما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض الصدرية والمعوية بين سكان القرى.
خطة الإنقاذ.. هل تنجح المواجهة الرسمية؟
بدأت التحركات الرسمية تتخذ مساراً أكثر صرامة؛ حيث أكد المهندس محمد طايع، وكيل الإدارة المركزية لري سوهاج، أن حملات التطهير لا تتوقف، لكن "اليد الواحدة لا تصفق"، ومن هنا، جاءت تحركات جهاز شؤون البيئة بقيادة المهندس محمد عيسى لتضع "الوعي" في كفة الميزان.
يرى الخبراء أن الحل لن يكون أمنياً فقط عبر "تغليظ العقوبات"، بل يتطلب حلاً متكاملاً يتضمن:
-
بدائل لوجستية: توفير صناديق قمامة ونظام جمع دوري في القرى المحاذية للترع، فالمواطن أحياناً يلقي المخلفات لعدم وجود بديل.
-
الرقابة الشعبية: تفعيل دور الجمعيات الأهلية والشباب في مراقبة الترع والتبليغ الفوري عن المخالفين.
الرهان على الوعي
مشروع تبطين الترع ليس مجرد "أسمنت ورمل"، بل هو مشروع قومي يهدف لاستدامة الحياة في ظل تحديات الفقر المائي، وبقاء هذه الترع نظيفة هو "واجب وطني" لا يقل أهمية عن حماية الحدود، لأن المياه هي شريان البقاء، فهل يستجيب أهالي القرى لصرخات الأرض، أم تضيع المليارات وسط أكوام القمامة؟

