مبادرة الووش أوت للأدوية بمصر | أزمة الأدوية منتهية الصلاحية بالصيدليات
يرتبط أمان الأسرة المصرية بارتباط وثيق بصحة منظومة الدواء؛ فالصيدلية المجاورة لمنزلك ليست مجرد متجر، بل هي ملاذ آمن تلجأ إليه في لحظات المرض الحرجة بحثاً عن الشفاء، لكن خلف تلك الرفوف المنظمة، تدور أزمة صامتة وخانقة تهدد استقرار هذا القطاع الحيوى، حيث تحولت "الأدوية منتهية الصلاحية" المتراكمة إلى قنبلة موقوتة تلتهم رأس مال الصيدلي الصغير وتفتح الباب الخلفي لإعادة التدوير غير القانوني، مما يضع صحة المواطن وحق الصيدلي في حلقة مفرغة من المعاناة وتبادل الاتهامات بين الأطراف ليبقى السؤال الأهم: من يدفع ثمن الدواء الميت؟
مبادرة "الووش أوت": حلم "غسيل السوق" الذي تعثر في أروقة البيروقراطية
في مارس 2025، اتخذت هيئة الدواء المصرية خطوة استراتيجية جريئة عبر إطلاق مبادرة "غسيل سوق الدواء" أو ما يُعرف بـ "الووش أوت" (Wash Out)، وكان الهدف من هذه المبادرة تنظيف الرفوف من الأدوية منتهية الصلاحية وتنظيم آلية التخلص الآمن منها لمنع وصولها إلى مصانع بير السلم وأسواق الغش الدوائي.
معضلة الإطار الزمني وشروط التعجيز
أوضح الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، أن المبادرة حُددت لها مدة أولية بلغت 90 يوماً، ثم تم مدها لـ 90 يوماً أخرى، ورغم أن هذه الشهور الستة أسفرت عن سحب ما يقرب من 60% من الأدوية منتهية الصلاحية، إلا أن المهملة الزمنية لم تكن كافية لإنهاء الأزمة جذرياً، والسبب يكمن في الشروط التعجيزية التي تفرضها شركات التوزيع كوسيط بين المصانع والصيدليات.

اشتكى الصيادلة من تحايل شركات التوزيع لرفض استلام المرتجعات عبر حجج واهية تشمل:
-
كتابة أن اسم الصنف غير مطابق بدقة.
-
ادعاء أن السعر المكتوب يختلف عن السعر الحالي.
-
التعلل بوجود اختلاف طفيف في التركيز أو عدد الأقراص داخل العبوة.
في نهاية المطاف، يتم رفض المرتجع وإعادته للصيدلية، ليظل الصيدلي يتحمل الخسائر المالية بمفرده دون تعويض.
الحلقة الأضعف: 80 ألف صيدلية في مواجهة شبح الإفلاس
يصل عدد الصيدليات في مصر إلى نحو 80 ألف صيدلية، وتواجه هذه الكيانات الصغيرة والمتوسطة أزمة سيولة حادة نتيجة تراكم "الإكسبايرد"، فالصيدلي يدفع ثمن الدواء نقداً أو بشيكات مقبولة الدفع للشركات، وعندما تنتهي صلاحية المنتج، يتحول إلى رأسمال ميت لا يمكن تسييله.
لسان حال الصيادلة: "لقد أصبحنا الحلقة الأضعف في المنظومة، ونسلم الأدوية منتهية الصلاحية ولا نحصل على تعويضات، والشركات تماطل، وكثير من الصيدليات أصبحت مهددة بالإغلاق الفعلي نتيجة تآكل رأس مالها تحت وطأة تراكم المرتجعات".
من الناحية القانونية والمنطقية، يؤكد الدكتور علي عوف أن الدواء يعد ملكاً أصيلاً للشركة المنتجة (المصنع)؛ فهي مسؤولة عن إنتاجه وتسويقه وتحديد صلاحيته، وبالتالي يقع على عاتقها قانوناً سحبه دون قيد أو شرط، مشيراً إلى أنه لا توجد دولة في العالم تطبق نظام "غسيل السوق" وتضع شروطاً لاسترجاع الدواء سوى مصر، حيث تلزم القوانين الدولية المصانع بسحب سمومها من الأسواق فوراً حماية للصحة العامة.
"تعطيش السوق" وحرب "البوكسات": أبعاد احتكارية تضاعف الأزمة
لم تتوقف أزمة الدواء عند حدود المرتجعات، بل امتدت لتكشف عن تشوهات هيكلية داخل منظومة التداول. وأشار الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، إلى وجود "حلقة مفقودة" وتخبط واضح في آليات التنفيذ، لافتاً إلى أن الأزمة تتأثر بظواهر احتكارية غير شريفة يمارسها بعض صناع الدواء، منها:
1. التعطيش المتعمد لتحقيق أرباح أعلى
تقوم بعض الشركات بتقليل معدلات ضخ وطرح بعض الأصناف الدوائية الحيوية في السوق بشكل متعمد لخلق حالة من "الطلب المرتفع" ونقص المعروض، تمهيداً لرفع أسعارها رسميًا أو بيعها بآليات تضمن هوامش ربح استثنائية على حساب صحة المرضى.
2. التلاعب بنظام الـ "Box"
يعتبر نظام "البوكس" آلية تنظيمية لتحديد عدد الشركات المسموح لها بإنتاج نفس الصنف الدوائي (المثائل)، ولكن ما يحدث في الكواليس يمثل نمطاً من الاحتكار؛ حيث تحجز بعض الشركات مكانها داخل هذا "البوكس" القانوني، ثم تتوقف عن الإنتاج لفترة معينة لتعطيش الأسواق، قبل أن تعود لطرح الصنف مجدداً بأسعار أعلى ومكاسب مضاعفة.

المقارنة التحليلية لهيكل تداول الدواء ومسؤولية الأطراف
لتوضيح الخلل القائم في المنظومة والوضع المأمول لحل الأزمة بنهاية شهر مايو، يوضح الجدول التالي مقارنة تحليلية لمسؤوليات الأطراف الثلاثة:
| الطرف التداولي | الوضع الحالي والأخطاء المرصودة | المسؤولية القانونية والمفترضة | الأثر المباشر لاستمرار الأزمة |
| الشركات المنتجة (المصانع) | ترفض التعامل المباشر وتتأخر في سداد التعويضات المالية وتتلاعب بنظام "البوكس". | السحب الفوري للأدوية دون قيد أو شرط وتحمل الكلفة كاملة باعتبار الدواء ملكها. | تراكم الأدوية منتهية الصلاحية واحتمالية إعادة تدويرها بشكل غير قانوني وضياع الأمان الدوائي. |
| شركات التوزيع (الوسيط) | تتحايل بوضع شروط ومواصفات معقدة لرفض استلام المرتجعات من الصيدليات. | النقل الآمن والسريع وتسهيل قنوات استرجاع المرتجعات والعمل كجسر لوجستي مرن. | شلل في حركة التداول وتعميق أزمة السيولة لدى قطاع التجزئة (الصيدليات). |
| الصيدليات (80 ألف منفذ) | تتحمل الخسائر كاملة مادية ولوجستية، وتواجه خطر الإغلاق وتآكل رأس المال. | فحص الأدوية وصرفها للمواطن بآمان، وتجميع التالف بانتظام لتسليمه للجهات المعنية. | تراجع جودة الخدمة الطبية للمواطنين واختفاء بعض الصيدليات من القرى والمناطق النائية. |
الحسم المؤجل: توجيهات هيئة الدواء وفرصة مايو الأخيرة
أمام هذا المشهد المعقد، تدخلت هيئة الدواء المصرية لوضع حد للمماطلة؛ حيث أصدرت توجيهات حاسمة تلزم شركات الإنتاج والتوزيع بسرعة سحب الأدوية منتهية الصلاحية وتعويض الصيدليات المتضررة قبل نهاية شهر مايو الجاري.
وينتظر سوق الدواء خلال الأيام المقبلة تحركاً واسع النطاق من شركات التوزيع لتنفيذ هذه التوجيهات وإنهاء هذا الملف الشائك، ويرى خبراء البرلمان أنه لا سبيل لإنهاء هذه الأزمات المتكررة إلا بصياغة قانون واضح وحاسم يطبق على الجميع دون استثناء، ويتضمن عقوبات رادعة وقاسية (جنائية ومالية) على أي شركة تمتنع عن سحب أدويتها التالفة، بالتوازي مع تشديد الرقابة المستمرة لمنع محاولات إعادة تدوير "الإكسبايرد" أو التلاعب بقوت ومرض المصريين.

