الخميس 4 يونيو 2026 02:44 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

«سايس السيارات» بين التقنين والبلطجة، هل ينجح القانون في إنهاء الإتاوات واستعادة الانضباط للشارع المصري؟

السبت 30 مايو 2026 12:52 مـ 13 ذو الحجة 1447 هـ
سايس السيارات في مصر
سايس السيارات في مصر

لم تعد أزمة «سايس السيارات» مجرد خلاف يومي بين أصحاب المركبات وبعض العاملين في تنظيم الانتظار، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قضية مجتمعية تثير جدلًا واسعًا بين المواطنين والبرلمان وخبراء المرور، ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تنظيم المهنة وتقنين أوضاع العاملين بها عبر قانون تنظيم انتظار المركبات، لا تزال شكاوى المواطنين تتزايد من ممارسات بعض غير المرخصين الذين يفرضون مبالغ مالية دون سند قانوني، ويحولون الشارع العام إلى ساحة للمساومات والضغوط اليومية.

بين حق المواطن في شارع آمن وحق العامل في فرصة عمل مشروعة

ومع تصاعد المطالب البرلمانية بتفعيل القانون رقم 150 لسنة 2020 بصورة أكثر حسمًا، يعود السؤال مجددًا، هل يكفي وجود التشريع للقضاء على الظاهرة، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ والرقابة الميدانية؟

من التنظيم إلى الفوضى.. كيف تطورت الأزمة؟

شهدت مهنة تنظيم انتظار السيارات تطورات كبيرة خلال العقود الماضية، حيث كانت في بدايتها وسيلة لتنظيم أماكن الانتظار داخل الشوارع المزدحمة، إلا أن غياب الرقابة في بعض المناطق أدى إلى ظهور أشخاص يمارسون النشاط دون تراخيص أو ضوابط واضحة.

ومع مرور الوقت، تحولت الظاهرة في بعض المناطق إلى مصدر شكاوى مستمرة من المواطنين، بسبب فرض رسوم غير معلنة أو المطالبة بمبالغ مالية مقابل استخدام أماكن الانتظار العامة، فضلًا عن تكرار وقائع التهديد أو إتلاف السيارات حال رفض الدفع، وهذا الوضع دفع الدولة إلى التدخل عبر إصدار القانون رقم 150 لسنة 2020 بهدف تنظيم المهنة ووضع إطار قانوني واضح لممارستها.

قانون تنظيم انتظار المركبات.. محاولة لاستعادة الانضباط

أكد اللواء أحمد هشام، خبير المرور، أن القانون جاء في الأساس للقضاء على الفوضى التي عانى منها الشارع المصري لسنوات طويلة، ووضع حد لممارسات البلطجة وفرض الإتاوات التي ارتبطت ببعض العاملين غير المرخصين.

وأوضح أن فلسفة القانون تعتمد على تحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه، أبرزها تنظيم الحركة المرورية، وتحقيق السيولة داخل الشوارع، ومنع التكدسات الناتجة عن الانتظار العشوائي، بالإضافة إلى توفير فرص عمل قانونية للشباب تحت إشراف الوحدات المحلية.

ووفقًا للقانون، لم تعد مهنة «منظم انتظار المركبات» نشاطًا عشوائيًا، بل أصبحت مهنة منظمة تخضع لشروط محددة، من بينها أن يكون المتقدم مصري الجنسية، وألا يقل عمره عن 21 عامًا، وأن يحمل رخصة قيادة سارية، مع تمتعه بحسن السير والسلوك وعدم صدور أحكام جنائية ضده.

كما ألزم القانون العاملين بالحصول على ترخيص رسمي يحدد نطاق عملهم والزي الخاص بهم وقيمة الرسوم المقررة، بما يضمن حماية حقوق المواطنين ومنع الاستغلال.

غير المرخصين خارج القانون

يشدد خبراء المرور على أن أي شخص يمارس تنظيم انتظار السيارات دون الحصول على ترخيص رسمي لا يملك أي صفة قانونية لتحصيل الأموال من المواطنين.

ويؤكد اللواء أحمد هشام أن بعض الخارجين عن القانون استغلوا طبيعة المهنة لفرض السيطرة على الشوارع وتحويلها إلى مصدر دخل غير مشروع، وهو ما دفع الجهات التنفيذية إلى تكثيف الحملات الرقابية لضبط المخالفين.

كما منح القانون الجهات المختصة الحق في سحب أو إلغاء التراخيص حال ارتكاب مخالفات، إلى جانب توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة على من يمارس النشاط دون ترخيص أو يثبت تورطه في فرض إتاوات أو إتلاف ممتلكات المواطنين.

البرلمان يدخل على الخط

لم تتوقف المطالبات عند حدود الخبراء والمتخصصين، بل انتقلت إلى مجلس النواب الذي شهد تحركات لبحث تفاقم الظاهرة في عدد من المحافظات.

وأكدت النائبة نيفين رجائي صمويل أن بعض المناطق ما زالت تشهد انتشارًا واسعًا لأشخاص يمارسون تنظيم انتظار السيارات خارج الإطار القانوني، ما تسبب في حالة استياء بين المواطنين.

وأشارت إلى أن فرض مبالغ مالية بصورة إجبارية أو التعدي على المواطنين حال رفض الدفع يمثل خروجًا صريحًا على القانون، مؤكدة أنها ستتقدم باستجواب برلماني لمناقشة الظاهرة والمطالبة بإجراءات أكثر صرامة لمواجهتها.

وترى النائبة أن الهدف الأساسي من التشريع كان استعادة الانضباط الحضاري للشارع المصري، وليس منح غطاء قانونيًا للممارسات العشوائية.

«الشارع ليس رهينة للسماسرة»

وفي السياق نفسه، اعتبر النائب وليد المليجي أن بعض المناطق شهدت خروج الظاهرة عن إطار التنظيم وتحولها إلى صورة من صور البلطجة وفرض الإتاوات.

وطالب وزارة التنمية المحلية والمحافظات بسرعة مراجعة منظومة تنظيم الانتظار داخل الشوارع، والعمل على تقنين أوضاع العاملين الحقيقيين الذين تنطبق عليهم الشروط القانونية، مع القضاء على الدخلاء والسماسرة الذين استغلوا الشارع العام لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وأكد أن المواطن لا يجب أن يشعر بالخوف أو القلق عند ترك سيارته في مكان انتظار عام، مشددًا على ضرورة حماية حقوق المواطنين وتفعيل القانون بصورة حقيقية.

بين التقنين والتجاوزات.. أين يكمن الحل؟

رغم وضوح النصوص القانونية، يرى كثير من المتابعين أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في التشريع بقدر ما ترتبط بآليات التطبيق والرقابة الميدانية.

فنجاح منظومة تنظيم انتظار المركبات يعتمد على عدة عوامل، أبرزها حصر العاملين الفعليين وتقنين أوضاعهم، والتوسع في إصدار التراخيص الرسمية، وتكثيف الحملات الرقابية على المناطق التي تشهد انتشارًا للعاملين غير المرخصين.

كما أن وعي المواطنين يمثل عنصرًا مهمًا في نجاح المنظومة، من خلال عدم التعامل مع أي شخص لا يحمل ترخيصًا رسميًا أو يفرض رسومًا خارج الإطار القانوني.

معركة الانضباط لم تنتهِ بعد

تبقى قضية «سايس السيارات» واحدة من الملفات المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، وهي قضية تتجاوز مجرد تنظيم الانتظار إلى حماية الحق في استخدام الشارع العام دون ضغوط أو ابتزاز.

ومع وجود قانون واضح ينظم المهنة ويحدد حقوق وواجبات العاملين بها، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الجهات التنفيذية في تطبيق القانون على أرض الواقع، وتحقيق التوازن بين توفير فرص عمل مشروعة، وحماية المواطنين من أي ممارسات عشوائية أو تجاوزات قد تعيد الفوضى إلى الشارع المصري.