توريد 3.5 مليون طن قمح محلي، مصر تقترب من رفع الاكتفاء الذاتي إلى 75% بحلول 2030
في وقت تتزايد فيه التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، تواصل مصر تعزيز مخزونها الاستراتيجي من القمح عبر موسم توريد محلي يشهد مؤشرات إيجابية، ومع وصول الكميات الموردة إلى نحو 3.5 مليون طن حتى منتصف مايو 2026، تتجه الأنظار إلى قدرة الدولة على تحقيق مستهدفها البالغ 5 ملايين طن بنهاية الموسم، ضمن رؤية أوسع تستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 75% خلال السنوات المقبلة.
موسم استثنائي للقمح يقترب من تحقيق مستهدفاته
وتحظى منظومة القمح بأهمية استثنائية داخل الاقتصاد المصري، باعتبارها الركيزة الأساسية لتوفير الخبز المدعم الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين يوميًا، ما يجعل كل زيادة في الإنتاج المحلي خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
3.5 مليون طن قمح محلي.. والموسم لم ينتهِ بعد
تواصل وزارة التموين والتجارة الداخلية متابعة عمليات استلام القمح المحلي من المزارعين عبر مئات نقاط التجميع والصوامع والشون المنتشرة في مختلف المحافظات.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغت كميات القمح التي تم توريدها حتى منتصف مايو 2026 نحو 3.5 مليون طن، من إجمالي مستهدف يصل إلى 5 ملايين طن خلال الموسم الحالي.
ويعكس هذا الرقم تقدمًا ملحوظًا في عمليات التوريد، خاصة مع استمرار فتح باب الاستلام حتى منتصف أغسطس المقبل، ما يمنح المزارعين فرصة كافية لتوريد كامل إنتاجهم.
وتحرص الوزارة على متابعة الكميات الموردة ومراجعة جودتها، بالتوازي مع سرعة صرف المستحقات المالية للمزارعين، بهدف تشجيعهم على الاستمرار في التوريد والتوسع في زراعة المحصول الاستراتيجي الأهم في مصر.
زيادة المساحات المزروعة تدعم المستهدفات
أكد الدكتور خالد جاد، وكيل معهد المحاصيل الحقلية بوزارة الزراعة وأستاذ القمح بالمركز القومي للبحوث، أن الموسم الحالي يسير وفق الخطة الموضوعة دون معوقات تذكر.
وأوضح أن المساحة المزروعة بالقمح شهدت زيادة تتجاوز نصف مليون فدان مقارنة بالعام الماضي، لترتفع من نحو 4 ملايين فدان إلى أكثر من 4.5 مليون فدان، وهو ما يمثل نموًا يقترب من 25%.
ويعد التوسع في الرقعة الزراعية أحد أهم العوامل التي ساهمت في زيادة الإنتاج المحلي وتحسين فرص الوصول إلى الكميات المستهدفة من التوريد خلال الموسم الحالي.
كما أشار إلى أن الدولة وفرت أكثر من 400 نقطة استلام موزعة على مستوى الجمهورية، ما ساهم في تسهيل عمليات التوريد وتقليل الأعباء على المزارعين.
جودة عالية ونسبة رفض لا تتجاوز 1%
تحظى جودة القمح المحلي باهتمام كبير داخل منظومة التوريد، حيث تخضع جميع الكميات الواردة إلى عمليات فحص دقيقة قبل قبولها داخل الصوامع.
وأوضح الدكتور خالد جاد أن نسبة القمح المستبعد لعدم مطابقته للمواصفات لا تتجاوز 1% فقط من إجمالي الكميات الموردة، وهي نسبة محدودة تعكس جودة الأصناف المصرية المزروعة.
كما أشار إلى أن عمليات الغربلة والغسيل والتنقية تتم داخل الصوامع باستخدام تقنيات حديثة وأجهزة متخصصة، قبل انتقال القمح إلى مراحل الطحن المختلفة.
وتتولى لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارتي الزراعة والتموين وهيئة سلامة الغذاء مسؤولية فحص الشحنات والتأكد من مطابقتها للمعايير الفنية المطلوبة.
القمح المحلي يغطي 44% من احتياجات الخبز المدعم
رغم التحسن المستمر في الإنتاج المحلي، لا تزال مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح عالميًا بسبب حجم الاستهلاك الكبير.
فبحسب البيانات الحالية، يغطي القمح المحلي نحو 44% من احتياجات منظومة الخبز المدعم التي تقدر بحوالي 9 ملايين طن سنويًا، بينما يتم استيراد النسبة المتبقية لتغطية الطلب المحلي.
أما إجمالي استهلاك مصر من القمح فيقدر بنحو 22 مليون طن سنويًا، تشمل احتياجات الخبز والصناعات الغذائية المختلفة، وتنتج مصر حاليًا نحو 11 مليون طن سنويًا، فيما يتم استيراد كمية مماثلة تقريبًا لسد الفجوة الاستهلاكية.
هل تصل مصر إلى 75% اكتفاء ذاتي؟
يرى الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن نسبة الاكتفاء الذاتي ارتفعت بالفعل من نحو 45% خلال العام الماضي إلى ما يقارب 50% حاليًا، مع توقعات بالوصول إلى 75% خلال ثلاث سنوات إذا استمرت خطط التوسع الزراعي وزيادة الإنتاجية.
ويعني ذلك تقليص فاتورة الاستيراد بشكل كبير، وتخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، خاصة في ظل التقلبات العالمية التي تؤثر على أسواق الحبوب، كما أن زيادة الإنتاج المحلي تمنح الدولة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات الدولية وتقلبات الأسعار العالمية.
القمح المحلي سلاح اقتصادي مهم
لا تقتصر أهمية زيادة إنتاج القمح على الجانب الغذائي فقط، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي أيضًا، فاستيراد نحو 11 مليون طن من القمح سنويًا يتطلب مليارات الدولارات من العملة الأجنبية، وهو ما يمثل ضغطًا إضافيًا على الميزان التجاري المصري.
ويؤكد الخبراء أن كل طن إضافي يتم إنتاجه محليًا يسهم في تقليل الطلب على الدولار، ويوفر موارد يمكن توجيهها لاستيراد السلع الاستراتيجية الأخرى أو دعم الصناعة المحلية، كما أن تشجيع المزارعين عبر أسعار توريد عادلة يساهم في زيادة المساحات المزروعة وتحقيق عائد اقتصادي أفضل للقطاع الزراعي.
الأمن الغذائي يبدأ من الحقل المصري
مع استمرار موسم التوريد واقتراب الوصول إلى المستهدفات المعلنة، تبدو مصر أكثر قدرة على تعزيز أمنها الغذائي وتقليل درجة تعرضها للتقلبات العالمية، وتؤكد المؤشرات الحالية أن التوسع في زراعة القمح، إلى جانب تطوير منظومة التخزين والتوريد، يمثلان ركيزة أساسية في استراتيجية الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي التدريجي.
ورغم استمرار الحاجة إلى الاستيراد خلال السنوات المقبلة، فإن زيادة الإنتاج المحلي تبقى الخيار الأكثر استدامة لحماية الاقتصاد الوطني وضمان توفير سلعة استراتيجية تمس حياة ملايين المصريين يوميًا.

