شركات التحصيل والتمويل الاستهلاكي في مصر، هل تكفي الرقابة لحماية المتعثرين من الضغوط؟
شهد قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر نموًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ليصبح أحد أسرع القطاعات المالية توسعًا في جذب العملاء وتمويل احتياجاتهم الشرائية، فالحصول على هاتف ذكي أو أجهزة منزلية أو حتى خدمات متنوعة بات أسهل من أي وقت مضى بفضل التطبيقات الرقمية وشركات التمويل التي تقدم إجراءات سريعة وميسرة.
تمويلات بالمليارات وملايين العملاء
لكن خلف هذا النمو الكبير، تتصاعد شكاوى عدد من المتعثرين في السداد الذين يؤكدون أن أزمتهم الحقيقية لا تبدأ مع القسط المتأخر، وإنما مع دخول شركات التحصيل على الخط، وبين اتهامات بالتهديد والضغط النفسي والتلويح بالفضيحة، تتجدد التساؤلات حول مدى التوازن بين حق الشركات في تحصيل أموالها وحق العملاء في المعاملة القانونية والإنسانية.
قطاع ضخم يخدم ملايين المصريين
بحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، كما ارتفع عدد الشركات العاملة تحت مظلة الهيئة إلى نحو 2532 شركة، تخدم أكثر من 64 مليون عميل بإجمالي تمويلات وصلت إلى 1.4 تريليون جنيه.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن نسبة التعثر في السداد لا تزال محدودة نسبيًا وتدور حول 3% من إجمالي المستفيدين، إلا أن هذه النسبة تعني عمليًا مئات الآلاف من الحالات التي تواجه تحديات مالية قد تدفعها إلى التأخر في السداد.
متعثرون: المشكلة ليست في التمويل بل في التحصيل
يرى عدد من العملاء المتعثرين أن شركات التمويل نفسها ليست محل الأزمة، بل إن المشكلة تبدأ مع شركات التحصيل التي تتولى متابعة الأقساط المتأخرة.
ويؤكد بعض المتعثرين أن إجراءات الحصول على التمويل أصبحت سهلة للغاية، حيث تعتمد بعض الشركات على مستندات بسيطة مثل رخصة سيارة أو عضوية نادٍ، بينما لا يتم في كثير من الأحيان التحقق بصورة دقيقة من الدخل الفعلي أو القدرة المالية على السداد.
ويقول محمد مجدي، أحد المتعثرين، إن التعثر قد يكون نتيجة قرار مالي غير موفق أو ظروف طارئة خارجة عن الإرادة، لكن الأزمة الحقيقية تظهر عندما تبدأ بعض جهات التحصيل في ممارسة ضغوط تتجاوز المسار القانوني.
ويضيف أن اللجوء إلى التهديد أو محاولة إحراج العميل في مقر عمله أو محل إقامته لا يمثل حلًا، وأن الإجراءات القانونية تظل الطريق الأكثر عدالة للطرفين، كما يطالب متعثرون آخرون بوضع ضوابط واضحة لعمليات التحصيل، وتفعيل آليات جدولة الديون وإعادة هيكلة الأقساط بدلًا من اللجوء إلى أساليب قد تؤدي إلى أزمات اجتماعية ونفسية للمدين وأسرته.
التوسع في الإقراض.. أين تكمن المشكلة؟
من جانبه، يرى الدكتور محمد الشيمي، الخبير الاقتصادي، أن جزءًا من الأزمة يرتبط بآليات العمل داخل المؤسسات المالية نفسها.
ويشير إلى وجود ما يصفه بـ"الخلل الهيكلي" الناتج عن ربط تقييم بعض موظفي الائتمان بتحقيق مستهدفات مرتفعة من عمليات التمويل، دون منح الاهتمام الكافي لقياس قدرة العميل الحقيقية على السداد.
ويؤكد أن المنافسة بين المؤسسات المالية وشركات التمويل دفعت إلى تقديم تسهيلات غير مسبوقة للحصول على التمويل، ما أدى إلى توسع قاعدة المقترضين بشكل كبير.
ويرى الشيمي أن الحل لا يكمن في تقليص التمويل، وإنما في تعزيز معايير دراسة الجدارة الائتمانية والتأكد من توافق حجم الالتزامات مع دخل العميل الفعلي.
التمويل الاستهلاكي بين النمو الاقتصادي والادخار السلبي
ورغم الإيجابيات التي يوفرها التمويل الاستهلاكي للاقتصاد، فإن بعض الخبراء يحذرون من آثاره الجانبية إذا توسع بصورة غير مدروسة.
ويشير الدكتور محمد الشيمي إلى أن الاعتماد المفرط على التمويل لشراء السلع الاستهلاكية قد يؤدي إلى ما يعرف اقتصاديًا بـ"الادخار السلبي"، حيث يستهلك الفرد دخله المستقبلي في سداد التزامات حالية، ما يقلل قدرته على الادخار والاستثمار لاحقًا.
كما أن زيادة الطلب المدعوم بالتمويل على السلع المختلفة قد تمارس ضغوطًا إضافية على الأسواق والأسعار، خاصة في القطاعات التي تشهد طلبًا مرتفعًا.
لماذا يمثل تعثر الشركات خطرًا أكبر؟
يحذر الخبراء من النظر إلى ملف التمويل الاستهلاكي باعتباره مجرد علاقة بين شركة وعميل فقط، فشركات التمويل تعتمد في جزء كبير من مواردها على تسهيلات وقروض تحصل عليها من البنوك، وبالتالي فإن أي اضطرابات واسعة النطاق داخل هذا القطاع قد تنعكس على المنظومة المالية ككل.
ولهذا يؤكد الشيمي أن الحفاظ على استقرار شركات التمويل الاستهلاكي يعد ضرورة اقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يتطلب إدارة أكثر كفاءة للمخاطر ومنح التمويل وفق معايير دقيقة.
الرقابة تتدخل للحد من المخاطر
في مواجهة هذه التحديات، اتخذت الجهات الرقابية عدة خطوات لتعزيز الانضباط داخل القطاع، فقد شدد البنك المركزي على ضرورة التأكد من امتلاك شركات التمويل رقمًا تعريفيًا لدى البنك المركزي وشركة الاستعلام الائتماني "آي سكور"، بما يسمح بإدراج التمويلات ضمن السجل الائتماني الموحد للعملاء.
كما ألزمت الهيئة العامة للرقابة المالية الشركات بتطبيق معايير الجدارة الائتمانية والالتزام بالضوابط الدولية الخاصة بكفاية رأس المال والسيولة وإدارة المخاطر، وفق قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 137 لسنة 2025، وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من منح التمويلات عالية المخاطر وتقليل معدلات التعثر مستقبلًا.
بين حق الشركة وكرامة العميل
يبقى التمويل الاستهلاكي أحد الأدوات المهمة التي ساهمت في توسيع الشمول المالي وتسهيل حصول المواطنين على احتياجاتهم المختلفة، كما أصبح عنصرًا مؤثرًا في تحريك الأسواق ودعم النشاط الاقتصادي.
لكن نجاح هذه المنظومة لا يقاس فقط بحجم التمويلات أو عدد العملاء، بل بقدرتها على تحقيق توازن حقيقي بين حماية حقوق الشركات وضمان معاملة المتعثرين وفق القانون.
ففي النهاية، يظل التعثر المالي احتمالًا قائمًا في أي اقتصاد، بينما تبقى كرامة الإنسان واحترام الإجراءات القانونية خطوطًا لا ينبغي تجاوزها مهما كانت قيمة الدين أو حجم الخسائر.

