السبت 6 يونيو 2026 11:32 مـ 20 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

المخازن السرية للسلع المدعمة، كيف تكشف حملات التموين طرق الاحتكار ورفع الأسعار؟

السبت 6 يونيو 2026 09:47 مـ 20 ذو الحجة 1447 هـ
مخبز خبر يقدم إحدى السلع المدعمة
مخبز خبر يقدم إحدى السلع المدعمة

في الوقت الذي تبذل فيه الدولة المصرية جهودًا مكثفة لضبط الأسواق وضمان وصول السلع المدعمة إلى مستحقيها، تكشف حملات وزارة التموين والتجارة الداخلية عن وجه آخر للأزمة يتمثل في "المخازن السرية" التي يستخدمها بعض المخالفين لإخفاء السلع الأساسية وبيعها لاحقًا بأسعار مضاعفة في السوق السوداء.

كيف يتلاعب بعض التجار بالسلع المدعمة لرفع الأسعار؟

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت وتيرة الضبطيات التموينية بشكل ملحوظ، لتسلط الضوء على شبكات من المخازن غير المرخصة التي تحولت إلى أدوات للاحتكار والتلاعب بالأسعار، في وقت يزداد فيه الطلب على السلع الأساسية مثل السكر والزيت والدقيق والأرز.

أكثر من 4400 مخالفة تموينية خلال أيام

كشفت بيانات الحملات الرقابية عن ضبط 4416 مخالفة تموينية متنوعة خلال فترة قصيرة، شملت احتكار السلع الأساسية وتجميعها وتخزينها في أماكن غير مرخصة، إلى جانب مخالفات تتعلق بالغش التجاري والتلاعب بالأسعار والأوزان.

وتعكس هذه الأرقام حجم الجهود الرقابية التي تنفذها وزارة التموين بالتعاون مع الأجهزة المعنية، في إطار خطة تستهدف حماية المواطنين من الممارسات الاحتكارية وضمان استقرار الأسواق.

ويرى متخصصون أن ارتفاع أعداد الضبطيات لا يعني زيادة المخالفات فقط، بل يعكس أيضًا تكثيف الحملات الميدانية وتطور أدوات الرصد والمتابعة داخل المحافظات المختلفة.

كيف تعمل "المخازن السرية"؟

بحسب خبراء التموين، لا يقتصر التلاعب على تخزين السلع داخل أماكن غير مرخصة، بل يمتد إلى استغلال بعض الثغرات في منظومة الدعم.

وأوضح الدكتور وائل عباس، معاون وزير التموين للاستثمار واللوجستيات الأسبق، أن بعض المخالفين يلجأون إلى تسوية السلع إلكترونيًا على بطاقات الدعم دون صرفها فعليًا للمواطنين، ثم يعيدون بيعها في السوق لتحقيق أرباح مضاعفة.

وتتم هذه الممارسات أحيانًا من خلال استغلال بطاقات التموين الخاصة ببعض المواطنين، حيث يحصل المستفيد على سلع أقل من قيمة الدعم المخصصة له، بينما يحتفظ التاجر بفارق السعر ويعيد بيع السلع المدعمة بأسعار أعلى.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الممارسات تحقق أرباحًا مزدوجة للمخالفين، سواء من خلال الاستفادة من الدعم أو من خلال إعادة بيع السلع بأسعار تفوق السعر الرسمي.

الدقيق والزيت والسكر على رأس المستهدفين

تعد السلع الأساسية الأكثر تداولًا في حياة المواطنين الهدف الأول للمخالفين، خاصة الدقيق والزيت والسكر، ويؤكد خبراء التموين أن بعض المخازن السرية تستخدم لتجميع كميات كبيرة من هذه السلع بهدف تقليل المعروض في الأسواق، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مصطنع.

وفي بعض الحالات يتم تخزين السلع داخل شقق سكنية أو مبانٍ مهجورة أو مخازن غير معلنة بعيدًا عن أعين الرقابة، ثم يجري بيعها لتجار التجزئة أو المصانع بأسعار مرتفعة.

وتؤدي هذه الممارسات إلى إرباك حركة السوق وزيادة الأعباء على المستهلك النهائي، خاصة في المواسم التي يرتفع فيها الطلب على السلع الغذائية.

الرقابة التموينية تتبع سلاسل التوريد

أكد مسؤولو التموين أن الحملات الرقابية لا تقتصر على التفتيش داخل الأسواق فقط، بل تمتد إلى متابعة سلاسل الإمداد والتوريد بالكامل.

ويشمل ذلك مراقبة حركة السلع من الصوامع والمخازن الرئيسية إلى المخابز والمنافذ التموينية، بهدف التأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه ومنع أي محاولات للتلاعب أو التهريب.

كما تعتمد الجهات الرقابية على التنسيق المستمر بين مديريات التموين ومباحث التموين وجهاز حماية المستهلك لرصد أي أنشطة مشبوهة أو مخازن غير مرخصة.

الكارت الموحد.. هل ينهي التلاعب بالدعم؟

يرى عدد من الخبراء أن تطبيق منظومة الكارت الموحد أو التحول إلى الدعم النقدي المباشر قد يسهم في تقليل فرص التلاعب بالسلع المدعمة.

فبدلًا من حصول المواطن على سلع محددة، يحصل على قيمة الدعم بصورة مباشرة، ما يمنحه حرية الاختيار ويقلل من فرص استغلال السلع التموينية أو إعادة بيعها بطرق غير قانونية.

ويؤكد المختصون أن استخدام التكنولوجيا والرقمنة في إدارة منظومة الدعم أصبح أحد أهم الأدوات لمواجهة الاحتكار وضبط الأسواق وتعزيز الشفافية.

عقوبات رادعة للمخالفين

تتعامل الجهات المختصة بحزم مع جرائم احتكار السلع المدعمة أو تخزينها في مخازن غير مرخصة، وتشمل العقوبات تحرير محاضر رسمية وتحويل المخالفات إلى النيابة المختصة، بالإضافة إلى الغرامات المالية والحبس وغلق المنشآت المخالفة وفقًا لطبيعة كل حالة.

ويؤكد مسؤولو التموين أن العقوبات لا تستهدف الردع فقط، وإنما حماية الأمن الغذائي للمواطنين والحفاظ على استقرار الأسواق.

دور المواطن في مواجهة الاحتكار

يشدد الخبراء على أن المواطن يمثل شريكًا أساسيًا في جهود الرقابة، من خلال الإبلاغ عن أي ممارسات احتكارية أو مخازن مشبوهة أو بيع سلع بأسعار غير معلنة.

كما ينصح المختصون بضرورة الشراء من المنافذ المعتمدة والاحتفاظ بفواتير الشراء، مع متابعة الأسعار الرسمية المعلنة وعدم الانسياق وراء الشائعات أو موجات الشراء المبالغ فيها.

وتوفر الجهات الحكومية عدة قنوات لتلقي الشكاوى والبلاغات، من بينها الخط الساخن لمجلس الوزراء رقم 19526، الذي يستقبل بلاغات المواطنين بشأن المخالفات التموينية المختلفة.

معركة مستمرة لحماية الأسواق

تكشف الضبطيات الأخيرة أن معركة ضبط الأسواق لا تزال مستمرة، وأن مواجهة الاحتكار تتطلب تعاونًا بين الجهات الرقابية والتجار الملتزمين والمواطنين.

ورغم نجاح الحملات التموينية في كشف آلاف المخالفات وضبط العديد من المخازن السرية، فإن استمرار الرقابة والتوسع في استخدام التكنولوجيا يظلان العاملين الأهم لضمان وصول السلع المدعمة إلى مستحقيها ومنع استغلالها لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، يبقى الحفاظ على استقرار الأسواق وحماية الدعم من التسرب أحد الملفات الحيوية التي تمس حياة ملايين الأسر المصرية بشكل مباشر.