الأحد 7 يونيو 2026 12:55 صـ 20 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

في مثل هذا اليوم.. كيف تحول طالب فلسفة إلى أحد أعظم وجوه الشر في تاريخ السينما المصرية؟

السبت 6 يونيو 2026 11:11 مـ 20 ذو الحجة 1447 هـ
محمود مرسي
محمود مرسي

في السابع من يونيو من كل عام، تعود إلى الواجهة سيرة فنان استثنائي لم يكن مجرد ممثل ناجح، بل حالة فنية وفكرية نادرة صنعت لنفسها مكانة خاصة في وجدان الجمهور العربي. إنه محمود مرسي، الفنان الذي لم يعتمد على الوسامة أو الضجيج الإعلامي، بل بنى مجده على الموهبة والثقافة والحضور الطاغي الذي جعل كل شخصية يقدمها تعيش لعقود بعد رحيله.

من مدرجات الفلسفة إلى أضواء الشاشة

وُلد محمود مرسي في 7 يونيو 1923 بمدينة الإسكندرية، ونشأ محبًا للمعرفة والقراءة، فاختار دراسة الفلسفة في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، لكن شغفه بالفن دفعه إلى السفر خارج مصر لاستكمال دراسته في مجالي الدراما والإخراج السينمائي، متنقلًا بين فرنسا وبريطانيا، حيث اكتسب خبرات واسعة شكلت ملامح مشروعه الفني لاحقًا.

قبل أن يعرفه الجمهور ممثلًا، عمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية BBC مخرجًا ومذيعًا، لكنه عاد إلى مصر خلال فترة العدوان الثلاثي، رافضًا الاستمرار هناك، ليبدأ رحلة جديدة داخل التلفزيون المصري.

المفارقة أن محمود مرسي لم يدخل عالم السينما مبكرًا مثل أغلب نجوم جيله، بل جاءت انطلاقته الحقيقية وهو في التاسعة والثلاثين من عمره من خلال فيلم "أنا الهارب" عام 1962. ومنذ ظهوره الأول، أدرك المشاهدون أنهم أمام موهبة مختلفة قادرة على تقديم الشر بصورة عميقة ومركبة، بعيدًا عن الأداء التقليدي أو الانفعالات المبالغ فيها.

أدوار صنعت الخلود وغيّرت شكل الأداء

خلال سنوات قليلة، تحول محمود مرسي إلى أحد أهم نجوم الشاشة العربية، وقدم شخصيات لا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم، ويبقى دوره الأشهر "عتريس" في فيلم "شيء من الخوف" علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، بعدما جسد شخصية الحاكم المستبد الذي يعيش صراعًا بين الحب والقوة والرغبة في السيطرة.

ولم تتوقف بصماته عند هذا العمل، فقد شارك في مجموعة كبيرة من الأفلام والمسلسلات التي أصبحت جزءًا من التراث الفني المصري، من بينها "السمان والخريف"، و"زوجتي والكلب"، و"أغنية على الممر"، و"ليل وقضبان"، و"أبناء الصمت"، و"طائر الليل الحزين"، و"من يدفع الثمن؟"، و"سعد اليتيم"، و"بين القصرين"، و"قصر الشوق"، و"العائلة"، و"أبو العلا 90"، وصولًا إلى "لما التعلب فات".

وكانت قدرة محمود مرسي على التنقل بين الشخصيات المركبة والنفسية واحدة من أهم أسباب تفرده، إذ لم يكن يؤدي الدور فقط، بل كان يمنحه أبعادًا إنسانية تجعل المشاهد يتفاعل معه حتى بعد انتهاء العمل.

حياة هادئة.. ووصية أخيرة أثارت الاحترام

بعيدًا عن الكاميرات، عُرف محمود مرسي بحرصه الشديد على الخصوصية. تزوج مرة واحدة من الفنانة القديرة سميحة أيوب، وأنجب منها ابنه الوحيد علاء الذي اتجه إلى دراسة الطب النفسي. ورغم انتهاء العلاقة الزوجية، ظل الاحترام والمودة قائمين بينهما لسنوات طويلة.

كما كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للقراءة والتدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، مبتعدًا عن الصخب الإعلامي الذي كان يلاحق كثيرًا من نجوم عصره.

وفي 24 أبريل 2004، أسدل الستار على رحلة أحد أعمدة الفن العربي بعد إصابته بأزمة قلبية حادة في الإسكندرية أثناء مشاركته في تصوير مسلسل "وهج الصيف". لكن حتى رحيله حمل بصمته الخاصة، إذ ترك وصية بخط يده طلب فيها عدم إقامة عزاء أو نشر إعلانات نعي في الصحف، مفضلًا أن يرحل في صمت، تاركًا أعماله تتحدث عنه.

وبعد أكثر من عقدين على غيابه، لا يزال محمود مرسي حاضرًا في ذاكرة الجمهور والنقاد باعتباره واحدًا من أهم الممثلين الذين مروا بتاريخ الفن العربي، ورمزًا لفنان آمن بأن القيمة الحقيقية لا تُصنع بالضجيج، بل بما يبقى في قلوب الناس بعد الرحيل.