السبت 27 يونيو 2026 05:45 مـ 11 محرّم 1448 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

خطة تطوير الصحف القومية في مصر 2026: التحول لشركات مساهمة ودمج المؤسسات

السبت 9 مايو 2026 08:22 صـ 22 ذو القعدة 1447 هـ
الصحف القومية
الصحف القومية

بين مطرقة الديون التي تجاوزت 9 مليارات جنيه، وسندان التراجع المروع في التوزيع الورقي، تقف القلاع الصحفية القومية في مصر أمام "مفترق طرق" تاريخي؛ فإما التحول إلى شركات إعلامية عابرة للمنصات، أو الاستمرار في استنزاف الموازنة العامة بانتظار "نهاية حتمية".

شهد الأسبوع الماضي تحركاً هو الأخطر من نوعه داخل أروقة مجلس النواب، حيث وضعت لجنة الإعلام والثقافة "مشرط الجراح" على جسد المؤسسات الصحفية القومية، والتقرير الذي صاغته لجنة تطوير الإعلام بقيادة 66 شخصية عامة، لم يكن مجرد توصيات أكاديمية، بل "خارطة طريق" تستهدف تحويل "الأهرام"، "الأخبار"، و"الجمهورية" من دواوين حكومية مكبلة بالبيروقراطية إلى شركات مساهمة تدار بعقلية الربح والخسارة.

من "الميري" إلى "المساهمة": فلسفة التحول

يرى الدكتور عبد المنعم سعيد، عضو اللجنة وصاحب المقترح، أن الأزمة ليست في الصحافة كمهنة، بل في "الهياكل الإدارية" المتيبسة، والخطة المقترحة تهدف إلى تغيير هوية هذه المؤسسات لتصبح شركات مساهمة، ما يعني الانتقال من نموذج "الصحيفة الورقية" إلى "المنصة الإعلامية الشاملة".

هذا التحول يتضمن:

  1. رقمنة المحتوى: التركيز على البودكاست، الفيديو، والإعلانات الرقمية.

  2. الاستقلال التنظيمي: تشكيل مجالس إدارات محترفة تستهدف الربحية.

  3. غرف الأخبار المركزية: توحيد الإنتاج الصحفي لخدمة منصات متعددة (مرئية ومسموعة ورقمية).

والأهم في هذا السياق هو "دمج الكيانات الصغرى"، حيث كشف التقرير عن خطة لدمج مؤسستي "روز اليوسف" و"دار الهلال" العريقتين تحت مظلة مؤسسة "الجمهورية"، لتقليل النفقات الإدارية وتركيز الموارد.

فخ الديون.. أرقام تثير القلق

لا يمكن الحديث عن تطوير دون مواجهة "الغول" المالي، المديونيات وفقاً للكاتب الصحفي نبيل عمر تتركز في الضرائب والتأمينات الاجتماعية، وبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن 9 مليارات جنيه ديوناً، يرى خبراء مثل ممدوح الولي أن الرقم الحقيقي "خفي" بسبب غياب القوائم المالية المعتمدة لسنوات.

  • الأهرام: آخر قائمة مالية معتمدة تعود لعام 2018/ 2019.

  • دار التحرير (الجمهورية): اعتمدت قوائمها حتى 2020/ 2021 مؤخراً.

  • الدعم الحكومي: ارتفعت ميزانية الهيئة الوطنية للصحافة من 541 مليون جنيه في 2023/ 2024 إلى 1.2 مليار جنيه في 2024/ 2025، ما يعكس حجم النزيف المالي الذي تحاول الدولة ردمه.

معضلة التوزيع والبنية التحتية

وتكمن المفارقة الصادمة في الأرقام التي أوردتها نشرة الإحصاءات الثقافية لعام 2024؛ فمتوسط توزيع الصحيفة اليومية الواحدة في مصر انهار من 172 ألف نسخة يومياً في عام 2010، ليصل إلى 40.8 ألف نسخة فقط حالياً.

رغم هذا التراجع، أوصت اللجنة بإنفاق 6.84 مليون يورو (حوالي 427 مليون جنيه) لشراء ماكينات طباعة رقمية حديثة، وهذا التوجه يطرح تساؤلاً مشروعاً، هل الاستثمار في "المطابع" هو الحل، أم أن الأولوية يجب أن تكون لـ "صناعة المحتوى" الذي يجذب الجمهور الرقمي؟

مصير "الجيش الأبيض" للصحافة

تضم المؤسسات القومية أكثر من 3.5 آلاف صحفي، يواجهون مستقبلاً غامضاً، والخطة تعدهم بفتح مسارات ترقٍ جديدة عبر المنصات الرقمية والبودكاست، لكنها في المقابل تفرض عليهم تحدي "إعادة التأهيل" والتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ومع وجود مئات "الصحفيين المؤقتين" (بين 500 إلى 800 صحفي)، يبقى السؤال الأهم، هل تستطيع "الشركات الجديدة" استيعاب هذا الفائض البشري وتحويله إلى قوة منتجة، أم ستكون الهيكلة "كلمة حق أريد بها تسريح"؟

إن تحويل الصحف القومية إلى شركات خلال 3 إلى 5 سنوات هو طموح مشروع، لكنه يصطدم بواقع ديون متراكمة وعادات قرائية تغيرت للأبد، النجاح هنا لا يقاس بشراء الماكينات، بل بالقدرة على منافسة "الجزيرة" و"سكاي نيوز" رقمياً، واستعادة ثقة القارئ الذي هجر الورق ولم يجد "الأهرام" أو "الأخبار" في مقدمة متصفحه الرقمي.