الخميس 4 يونيو 2026 01:47 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

كابلات الإنترنت البحرية هل تمتلك إيران ورقة ضغط جديدة لمواجهة الولايات المتحدة؟

الجمعة 29 مايو 2026 12:22 مـ 12 ذو الحجة 1447 هـ
إيران كابلات الإنترنت البحرية
إيران كابلات الإنترنت البحرية

لم تعد الصراعات الدولية تقتصر على النفط أو الممرات البحرية التقليدية، بل امتدت إلى شرايين الاقتصاد الرقمي العالمي، ومع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، برزت كابلات الإنترنت البحرية المارة قرب مضيق هرمز كأحد الملفات الجديدة التي تحاول طهران توظيفها في معركة النفوذ والتفاوض.

عندما تصبح البيانات سلاحًا جيوسياسيًا

لكن يبقى السؤال الأهم، هل تمتلك إيران بالفعل القدرة على تحويل هذه الكابلات إلى ورقة ضغط فعالة ضد واشنطن والعالم، أم أن الأمر لا يتجاوز حدود الرسائل السياسية والضغط النفسي؟

كابلات الإنترنت.. البنية التحتية الخفية للعالم الرقمي

تعتمد أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية على كابلات الألياف الضوئية البحرية الممتدة عبر المحيطات والبحار، والتي تنقل الاتصالات والبيانات والمعاملات المالية بين القارات.

ويمثل الخليج العربي ومضيق هرمز أحد المسارات المهمة لهذه الشبكات، حيث تربط الكابلات البحرية دول الخليج بجنوب آسيا وشرقها، ما يجعل أي تهديد محتمل لهذه البنية التحتية محل اهتمام عالمي واسع.

ومع تصاعد الحديث الإيراني عن فرض رسوم أو ممارسة نفوذ على الكابلات البحرية، تحولت هذه الشبكات من مجرد بنية تقنية إلى ملف يحمل أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة.

إيران وتوظيف الجغرافيا في معركة التفاوض

يرى الدكتور عادل عبد الصادق، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن طهران تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي الاستراتيجي لتحسين شروطها التفاوضية مع الولايات المتحدة، عبر تدويل الأزمات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية وطرق التجارة الدولية.

ويشير إلى أن إيران تدرك أهمية مضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي، وتسعى إلى توسيع دائرة النفوذ المرتبطة به لتشمل الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات الدولية، مستفيدة من حالة القلق التي قد تنتاب الشركات والدول المرتبطة بهذه الشبكات.

وبحسب عبد الصادق، فإن التلويح بتهديد الكابلات أو فرض رسوم على الشركات المالكة لها يندرج ضمن محاولات الضغط السياسي أكثر من كونه مشروعًا قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.

عقبات قانونية وفنية تعرقل الطموحات الإيرانية

رغم أهمية الموقع الجغرافي الإيراني، فإن تحويل هذه التهديدات إلى سياسة فعلية يواجه تحديات كبيرة، فالقانون الدولي يمنح حرية الملاحة والعبور في الممرات البحرية الدولية، كما أن الكابلات البحرية تخضع لاتفاقيات وتنظيمات دولية تحمي حركة الاتصالات العالمية من أي إجراءات أحادية الجانب.

ويؤكد الدكتور محمد فريد، مدرس الاستراتيجية والأمن القومي، أن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران تمثل عقبة إضافية، إذ تجعل من الصعب على الشركات الدولية الدخول في ترتيبات مالية أو تعاقدية مباشرة مع طهران.

كما أن العديد من شركات الاتصالات العالمية عملت خلال السنوات الماضية على تنويع مسارات الكابلات وتقليل الاعتماد على الخطوط القريبة من المياه الإيرانية، ما يحد من قدرة طهران على فرض سيطرة مؤثرة على حركة البيانات الدولية.

هل تتحول الكابلات البحرية إلى ورقة ابتزاز حقيقية؟

يرى خبراء أن التأثير الفعلي لأي خطوة إيرانية ضد الكابلات البحرية سيظل محدودًا مقارنة بحجم شبكة الإنترنت العالمية المترابطة والمتشعبة، فالعالم الرقمي لا يعتمد على مسار واحد، كما أن الشركات الدولية تمتلك بدائل تقنية ومسارات احتياطية للتعامل مع أي اضطرابات محتملة.

وفي المقابل، قد يؤدي أي استهداف مباشر للكابلات البحرية إلى أضرار سياسية واقتصادية على إيران نفسها، خاصة إذا تسبب ذلك في توتر علاقاتها مع دول آسيوية وشركاء اقتصاديين تعتمد عليهم في مواجهة الضغوط الغربية.

رسائل ردع أكثر من كونها خطة تنفيذية

تشير المعطيات الحالية إلى أن الهدف الأساسي من إثارة هذا الملف لا يتمثل في فرض رسوم أو السيطرة الفعلية على الكابلات البحرية، بل في توجيه رسائل ردع سياسية وإبراز امتلاك أوراق ضغط جديدة في مواجهة الولايات المتحدة.

فطهران تسعى إلى رفع تكلفة أي تصعيد محتمل ضدها، وإقناع خصومها بأنها قادرة على التأثير في ملفات تتجاوز النفط والطاقة لتشمل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وفي ظل التعقيدات القانونية والتقنية القائمة، تبدو فرص نجاح إيران في تحويل كابلات الإنترنت البحرية إلى أداة ابتزاز حقيقية محدودة، بينما تظل قيمتها الأكبر في كونها ورقة تفاوضية تستخدم لتحسين شروط الحوار والمساومة على طاولة السياسة الدولية.