زهران ممداني يثير جدلًا واسعًا بعد مقاطعة «يوم إسرائيل»، أول عمدة لنيويورك يفعلها منذ 62 عامًا
أصبح عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني أول رئيس للمدينة منذ أكثر من ستة عقود يرفض حضور فعالية «يوم إسرائيل» السنوية، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، والقرار الذي كان متوقعًا منذ حملته الانتخابية أعاد إلى الواجهة الجدل حول العلاقة بين السياسة المحلية الأمريكية وقضايا الشرق الأوسط، كما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود المواقف السياسية للمسؤولين المنتخبين في واحدة من أكثر مدن العالم تنوعًا.
زهران ممداني يكسر تقليدًا استمر 62 عامًا في نيويورك
ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقسامًا متزايدًا بشأن الحرب في غزة ومستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وسط تغيرات ملحوظة في توجهات الرأي العام، خاصة بين الأجيال الشابة.
أول غياب لعمدة نيويورك عن الفعالية منذ 62 عامًا
لطالما اعتُبرت فعالية «يوم إسرائيل» التي تُقام سنويًا في الجادة الخامسة بمدينة نيويورك محطة سياسية مهمة يحرص على حضورها رؤساء البلديات والحكام وكبار المسؤولين الأمريكيين.
وعلى مدار أكثر من ستة عقود، شكلت المشاركة في هذا الحدث رسالة دعم قوية للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، خاصة في مدينة تضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية خارج إسرائيل.
لكن زهران ممداني اختار هذا العام عدم المشاركة، ليصبح أول عمدة لنيويورك يكسر هذا التقليد السياسي الممتد منذ 62 عامًا.
موقف معلن منذ الحملة الانتخابية
أكد ممداني أن قراره لم يكن مفاجئًا، مشيرًا إلى أنه أعلن خلال حملته الانتخابية أنه لن يشارك في المسيرة، وأوضح خلال مؤتمر صحفي أن موقفه من الحكومة الإسرائيلية معروف وواضح، لكنه في الوقت نفسه شدد على التزامه الكامل بضمان أمن جميع الفعاليات المقامة داخل المدينة.
كما تعهد بتوفير إجراءات أمنية مكثفة لضمان سير الفعالية بشكل آمن ومنظم، مؤكدًا أن الاختلاف السياسي لا يجب أن يؤثر على مسؤولياته التنفيذية كرئيس للمدينة.
فيديو النكبة يزيد من حدة الجدل
قبل أسابيع من الفعالية، نشر مكتب عمدة نيويورك مقطع فيديو لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين مؤيديه ومعارضيه، ورأى مؤيدو ممداني أن الفيديو يعكس اهتمامًا بحقوق الفلسطينيين ويعبر عن رؤية سياسية يتبناها منذ سنوات.
في المقابل، اعتبر منتقدوه أن الخطوة تحمل رسائل سياسية مثيرة للجدل، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأدى نشر الفيديو إلى تصاعد الانتقادات من جانب عدد من الشخصيات المؤيدة لإسرائيل، التي رأت أن موقفه يتجاوز حدود الاختلاف السياسي التقليدي.
انتقادات من قيادات يهودية
أثار غياب ممداني عن الفعالية ردود فعل قوية من بعض القيادات الدينية والمجتمعية اليهودية في نيويورك، ووصف الحاخام مارك شناير، رئيس مؤسسة التفاهم العرقي، قرار عدم الحضور بأنه رسالة سلبية تجاه الجالية اليهودية في المدينة.
كما انتقد الفيديو الخاص بذكرى النكبة، معتبرًا أنه يقدم رواية أحادية للصراع، وهو ما أدى إلى زيادة حدة الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية، وفي المقابل، دافع آخرون عن حق المسؤولين المنتخبين في اتخاذ مواقف سياسية تتوافق مع برامجهم الانتخابية وقناعاتهم الشخصية، طالما التزموا بحماية جميع المواطنين دون تمييز.
نيويورك وتوازن العلاقات المعقدة
تحتل مدينة نيويورك مكانة خاصة في هذا الجدل، إذ تضم أكبر جالية يهودية في الولايات المتحدة، إلى جانب جاليات عربية وإسلامية كبيرة ومتنامية.
ولهذا السبب، غالبًا ما يجد المسؤولون المنتخبون أنفسهم أمام تحدي تحقيق التوازن بين مصالح ومشاعر مجموعات سكانية متنوعة تحمل رؤى مختلفة تجاه القضايا الدولية.
ويرى مراقبون أن موقف ممداني يعكس تحولات أوسع داخل المجتمع الأمريكي، حيث تزايدت الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.
أول عمدة مسلم لنيويورك ومواقف لافتة
يُعد زهران ممداني أول عمدة مسلم في تاريخ مدينة نيويورك، وهو ما منح انتخابه بعدًا تاريخيًا وسياسيًا مهمًا، وخلال مسيرته السياسية، أكد مرارًا دعمه للحقوق الفلسطينية، وفي الوقت ذاته أعلن إيمانه بحق إسرائيل في الوجود.
كما شدد على التزامه بمكافحة معاداة السامية وحماية المواطنين اليهود داخل المدينة، مؤكدًا أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يتعارض مع حماية الجاليات اليهودية أو مواجهة خطاب الكراهية.
ماذا يعني هذا التحول سياسيًا؟
يرى محللون أن قرار ممداني قد يكون مؤشرًا على تغيرات أعمق داخل المشهد السياسي الأمريكي، خاصة في المدن الكبرى التي تشهد تنوعًا ثقافيًا وديموغرافيًا واسعًا.
كما يعكس الجدل الدائر حول هذه القضية مدى حساسية الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط داخل السياسة الأمريكية، حيث لا تزال مواقف المسؤولين تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تخضع لتدقيق واسع من مختلف الأطراف.
وفي ظل استمرار الانقسامات السياسية حول هذه القضايا، يبدو أن قرار ممداني سيظل محل نقاش لفترة طويلة، ليس فقط داخل نيويورك، بل على مستوى الولايات المتحدة بأكملها.

