مستقبل القواعد الروسية في سوريا، كيف تعيد دمشق وموسكو صياغة العلاقة بعد المتغيرات الأخيرة؟
في لحظة سياسية حساسة تعيشها سوريا، تتجه الأنظار مجددًا نحو مستقبل الوجود الروسي على الأراضي السورية، بعد مؤشرات متزايدة على إعادة تنظيم الحضور العسكري الروسي في البلاد، بالتزامن مع تحولات داخلية وإقليمية متسارعة تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري في سوريا
فبعد سنوات من الحرب والتدخلات الدولية، تبدو دمشق اليوم أمام مرحلة مختلفة عنوانها إعادة الإعمار وترتيب العلاقات الخارجية وفق مصالح الدولة السورية الجديدة، بينما تسعى موسكو للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي يمنحها نفوذًا دائمًا في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.
سفينة إمدادات روسية تعيد فتح باب التساؤلات
أعاد وصول سفينة إمدادات روسية إلى ميناء طرطوس السوري، للمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد، الجدل حول طبيعة الوجود الروسي ومستقبله داخل سوريا.
هذه الخطوة لم تُقرأ باعتبارها مجرد إجراء لوجستي روتيني، بل اعتبرها مراقبون رسالة سياسية واستراتيجية تؤكد تمسك موسكو بقواعدها العسكرية ومصالحها الحيوية في سوريا، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
ويُنظر إلى قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية باعتبارهما من أهم الأوراق الاستراتيجية التي تمتلكها روسيا خارج حدودها، حيث تمنحانها قدرة على الوصول المباشر إلى شرق البحر المتوسط وتعزيز حضورها العسكري والسياسي في المنطقة.
دمشق تبحث عن التوازن لا الاصطفاف
يرى مراقبون أن الإدارة السورية الجديدة تحاول بناء سياسة خارجية مختلفة تقوم على مبدأ التوازن بين القوى الدولية بدلاً من الانخراط في محاور متصارعة.
وفي هذا السياق، أكد الباحث السياسي الدكتور علاء الأصفري أن سوريا تسعى اليوم إلى تحقيق الاستقرار الداخلي والإقليمي، مشيرًا إلى أن استمرار الوجود الروسي لا يُنظر إليه من زاوية الصراع الدولي فقط، بل باعتباره أحد عناصر التوازن التي تساعد دمشق على تجنب الاستقطابات الحادة.
ويعتقد الأصفري أن سوريا تدرك أهمية موقعها الجغرافي بالنسبة لروسيا، خاصة أن الساحل السوري يمثل منفذًا استراتيجيًا يطل على البحر المتوسط، وهو ما يجعل موسكو حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع دمشق بغض النظر عن طبيعة التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد.
كما أشار إلى أن قاعدة حميميم تمثل أهمية استثنائية بالنسبة للكرملين، إذ تمنح روسيا نقطة ارتكاز عسكرية وجيوسياسية في منطقة تعد مسرحًا رئيسيًا للتنافس بين القوى الكبرى.
الوجود الروسي بين المصالح الاستراتيجية والاستقرار الإقليمي
لا يقتصر الحديث عن القواعد الروسية على بعدها العسكري فقط، بل يمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
فمن وجهة نظر العديد من الخبراء، فإن الحفاظ على خطوط التواصل بين دمشق وموسكو قد يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي ما زالت تواجه سوريا بعد سنوات طويلة من الصراع.
كما أن وجود شريك دولي بحجم روسيا قد يمنح دمشق هامشًا أكبر للمناورة السياسية في علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة، خصوصًا مع استمرار الجهود الرامية إلى رفع العقوبات ودعم عملية إعادة الإعمار.
مرحلة جديدة من العلاقات السورية الروسية
من جانبه، يرى الباحث السياسي ياسر النجار أن العلاقات بين سوريا وروسيا دخلت مرحلة جديدة تختلف عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن الإدارة السورية الحالية تسعى إلى بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الصيغ التقليدية التي ارتبطت بفترات سابقة.
وأشار إلى أن روسيا تمتلك شبكة علاقات اجتماعية وسياسية متنوعة داخل سوريا، وهو ما يجعل دمشق حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة معها، دون أن يتحول ذلك إلى مصدر توتر مع القوى الدولية الأخرى.
ويعتقد النجار أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاءه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين شكلت محطة مهمة في إعادة ترتيب العلاقات الثنائية وفتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والأمني.
طرطوس وحميميم.. أهمية تتجاوز البعد العسكري
تكتسب قاعدة طرطوس أهمية خاصة لروسيا باعتبارها مركزًا لوجستيًا رئيسيًا يوفر الدعم للسفن الروسية العاملة بين البحر الأسود والبحر المتوسط.
أما قاعدة حميميم الجوية فتظل إحدى أهم المنشآت العسكرية الروسية خارج الأراضي الروسية، حيث تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في الشرق الأوسط.
وبحسب النجار، فإن التحركات الأخيرة داخل قاعدة حميميم تحمل طابعًا لوجستيًا أكثر من كونها استعدادات عسكرية هجومية، كما تعكس رغبة موسكو في تأكيد استمرار دورها وحضورها في المشهد السوري.
وأضاف أن التعاون العسكري المحتمل بين البلدين قد يشمل مجالات التدريب وتطوير القدرات الدفاعية للجيش السوري، وهو ما تحتاجه دمشق في مرحلة إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية.
إعادة الإعمار أولوية دمشق الكبرى
في المقابل، تبدو أولويات الدولة السورية الجديدة متمركزة حول إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية واستعادة الاستقرار الداخلي.
وتسعى دمشق إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، سواء روسيا أو أوروبا أو القوى الإقليمية، بهدف جذب الاستثمارات وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة على البلاد.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه السياسة يعتمد إلى حد كبير على قدرة سوريا على الحفاظ على التوازن بين مصالح القوى الكبرى دون الانخراط في صراعات المحاور، وهو ما قد يمنحها فرصة أكبر للتركيز على الملفات الداخلية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
مستقبل مفتوح على عدة سيناريوهات
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الوجود الروسي في سوريا لن يُحسم فقط من خلال الاتفاقات العسكرية، بل سيتحدد أيضًا وفق طبيعة التحولات الإقليمية والدولية خلال السنوات المقبلة.
فبين حاجة موسكو للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في شرق المتوسط، ورغبة دمشق في تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، تتشكل معادلة جديدة قد تجعل العلاقة بين البلدين أكثر توازنًا ومرونة مما كانت عليه في السابق.
ومع استمرار التحركات السياسية والدبلوماسية، يبقى المؤكد أن سوريا ستظل ساحة ذات أهمية استراتيجية كبرى، وأن مستقبل القواعد الروسية سيبقى أحد الملفات المؤثرة في رسم ملامح الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

