الإثنين 8 يونيو 2026 04:25 مـ 22 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

انخفاض الغاز الإسرائيلي إلى مصر 23%، هل تواجه الصناعة والكهرباء ضغوطًا خلال صيف 2026؟

الإثنين 8 يونيو 2026 02:26 مـ 22 ذو الحجة 1447 هـ
الغاز الإسرائيلي إلى مصر
الغاز الإسرائيلي إلى مصر

عاد ملف الطاقة بقوة إلى واجهة المشهد الاقتصادي في مصر بعد تراجع إمدادات الغاز الطبيعي الواردة من إسرائيل بنسبة تقارب 23% خلال الأيام الأخيرة، في توقيت حساس يتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الكهرباء والطاقة مع دخول فصل الصيف.

انخفاض إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر يثير التساؤلات

ورغم تأكيدات الخبراء بأن الانخفاض الحالي يرتبط بأعمال صيانة فنية مؤقتة في الحقول الإسرائيلية، فإن التطورات الأخيرة أعادت طرح تساؤلات مهمة حول قدرة السوق المصرية على مواجهة أي نقص في الإمدادات، ومدى تأثير ذلك على الصناعة والأسعار خلال الأشهر المقبلة.

تراجع الإمدادات.. ماذا حدث؟

وفق بيانات متداولة داخل قطاع الطاقة، انخفضت كميات الغاز الواردة من إسرائيل إلى مصر إلى نحو 850 مليون قدم مكعب يوميًا، مقارنة بأكثر من 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا خلال الفترة السابقة.

ويعني ذلك فقدان السوق المصرية ما يقرب من 250 مليون قدم مكعب يوميًا من الإمدادات المعتادة، نتيجة أعمال صيانة دورية في حقلي "تمار" و"ليفياثان" الإسرائيليين، وهما من أكبر الحقول المنتجة للغاز في شرق المتوسط.

وتشير التقديرات إلى أن أعمال الصيانة الحالية قصيرة الأجل ومن المتوقع أن تستمر أقل من أسبوع، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث اضطرابات كبيرة في السوق خلال الفترة الراهنة.

لماذا تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة؟

تكمن أهمية هذا التراجع في أن الغاز الإسرائيلي أصبح يمثل جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة المصري خلال السنوات الأخيرة.

وتتراوح نسبة الواردات الإسرائيلية بين 15% و20% من إجمالي استهلاك الغاز الطبيعي في مصر، بينما يبلغ متوسط الاستهلاك المحلي نحو 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 7 مليارات قدم مكعب يوميًا خلال ذروة الصيف.

في المقابل، تشير تقديرات متخصصة إلى أن الإنتاج المحلي يدور حول 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، وهو ما يخلق فجوة بين الإنتاج والاستهلاك يتم تعويض جزء منها من خلال الواردات الخارجية.

هل يشكل الانخفاض الحالي أزمة حقيقية؟

يرى خبراء الاقتصاد والطاقة أن الإجابة تعتمد بشكل كبير على مدة استمرار خفض الإمدادات، ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن التأثير المباشر يظل محدودًا إذا عادت الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية خلال أيام قليلة، خاصة أن الحكومة المصرية اتخذت بالفعل خطوات استباقية لتأمين احتياجات السوق.

وأوضح أن استمرار الانخفاض لفترة أطول قد يدفع الدولة إلى زيادة الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، وهو خيار متاح لكنه يحمل تكلفة أعلى مقارنة بالغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب.

ويشير خبراء إلى أن القضية لا تتعلق فقط بتوفير الكميات المطلوبة من الغاز، بل أيضًا بالتكلفة الاقتصادية لتأمين هذه الكميات، خاصة في ظل التقلبات المستمرة بأسواق الطاقة العالمية.

الصناعة تحت المراقبة

يعد القطاع الصناعي من أكثر القطاعات حساسية تجاه أي تغيرات في سوق الطاقة، فارتفاع تكلفة الغاز قد ينعكس على تكاليف الإنتاج في بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والبتروكيماويات والحديد والصلب.

ومع ذلك، يرى متخصصون أن التأثير على القطاع الصناعي في الوقت الحالي ما زال محدودًا، خاصة مع استمرار الحكومة في تنفيذ خطط مرنة لإدارة الطلب وتوفير الاحتياجات الأساسية للقطاعات الإنتاجية، وتظل قدرة الدولة على توفير البدائل السريعة أحد العوامل الرئيسية التي تمنع حدوث اضطرابات كبيرة في النشاط الصناعي.

الكهرباء في قلب المعادلة

يشكل قطاع الكهرباء المستهلك الأكبر للغاز الطبيعي في مصر، حيث يستحوذ على ما بين 58% و60% من إجمالي الغاز المستخدم يوميًا.

ولهذا السبب، فإن أي تراجع في الإمدادات يتطلب تحركات سريعة لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء بكفاءة خلال فترات الذروة الصيفية.

ويؤكد خبراء الطاقة أن الحكومة بدأت بالفعل في تطبيق مجموعة من الإجراءات الاحترازية لتقليل الضغوط على الشبكة الكهربائية، من بينها زيادة استيراد الغاز المسال وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

الطاقة الشمسية تعوض جزءًا من النقص

ضمن جهود تنويع مصادر الطاقة، تستعد مصر لإضافة قدرات جديدة من الطاقة الشمسية تقدر بنحو 1800 ميجاوات خلال الفترة الحالية.

وبحسب تقديرات المتخصصين، فإن هذه القدرات الجديدة قد تساهم في خفض استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الكهرباء بنحو 170 إلى 200 مليون قدم مكعب يوميًا.

ويمثل ذلك عامل دعم مهمًا لمنظومة الطاقة، خاصة في أوقات ارتفاع الطلب، كما يعكس نجاح الدولة في تنفيذ استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.

هل ترتفع أسعار الغاز للمواطنين؟

حتى الآن، لا توجد أي مؤشرات رسمية على وجود زيادات مرتقبة في أسعار الغاز الطبيعي المخصص للمنازل نتيجة الانخفاض الحالي في الواردات.

ويرى الخبراء أن المواطنين لن يشعروا بأي تأثير مباشر على المدى القصير، في ظل توفر بدائل متعددة لدى الدولة لتغطية احتياجات السوق المحلي.

لكنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى أن استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك لفترات طويلة قد يؤدي إلى زيادة تكلفة توفير الطاقة بشكل عام، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على بعض الأنشطة الاقتصادية والخدمية.

هل تمتلك مصر بدائل كافية؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن مصر تمتلك مجموعة من الأدوات التي تساعدها على التعامل مع أي نقص مؤقت في الإمدادات.

وتشمل هذه الأدوات التوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال، وتطوير وحدات التغويز والاستقبال، إلى جانب الاستمرار في تنمية الحقول المحلية وزيادة أعمال البحث والاستكشاف.

كما تمضي الدولة في تنفيذ مشروعات كبرى بمجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يعزز أمن الطاقة ويقلل من الاعتماد على مصدر واحد للإمدادات.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك توقعات قبل أسابيع بارتفاع تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى نحو 1.3 مليار قدم مكعب يوميًا خلال صيف 2026 بعد استكمال توسعات في خطوط النقل، وهو ما يدعم الرأي القائل بأن الانخفاض الحالي يرتبط بعوامل تشغيلية مؤقتة أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا طويل الأجل.

بين التحديات والفرص

يبقى ملف الطاقة أحد أهم الملفات المؤثرة في الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تزايد الطلب المحلي على الكهرباء واستمرار التحديات العالمية في أسواق الوقود.

ورغم التراجع المؤقت في الإمدادات الإسرائيلية، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن مصر تمتلك هامشًا من المرونة يسمح لها بالتعامل مع مثل هذه التطورات دون تأثيرات جوهرية على المواطنين أو الصناعة، ما دامت الإجراءات الاحترازية وخطط تنويع مصادر الطاقة مستمرة بالوتيرة الحالية.