بوريطة يحذّر: أزمات الخليج لا يجب أن تُلهي العالم عن فلسطين والضفة الغربية مفتاح استقرار غزة
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات، يوجّه المغرب رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، لا يمكن السماح لتحولات الخليج أن تطمس جوهر الصراع في فلسطين، وتصريحات وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة من الرباط تعيد ترتيب الأولويات، وتدق ناقوس الخطر بشأن ما يجري في الضفة الغربية والقدس، في توقيت بالغ الحساسية.
الضفة الغربية في قلب المعادلة وليس هامشها
أكد ناصر بوريطة، خلال ندوة صحفية مشتركة مع نظيره التشيكي، أن استقرار الضفة الغربية ليس مجرد ملف جانبي، بل عنصر حاسم في نجاح أي تسوية أو خطة تتعلق بقطاع غزة، وهذه المقاربة تعكس تحولًا في الخطاب الدبلوماسي المغربي نحو التركيز على الترابط البنيوي بين الضفة وغزة.
وفق هذا الطرح، لا يمكن تحقيق تهدئة مستدامة في غزة بينما تشهد الضفة الغربية تصعيدًا ميدانيًا وتشريعيًا، إذ أشار بوريطة إلى ما وصفه بـ"تقويض الاستقرار" عبر تمرير قوانين وإجراءات على الأرض، تشمل مصادرة الأراضي وتصاعد هجمات المستوطنين، وهذا الربط بين الجبهتين يعكس فهمًا استراتيجيًا للصراع، حيث تُظهر البيانات الميدانية أن أي تصعيد في الضفة غالبًا ما ينعكس مباشرة على الوضع الأمني في غزة، والعكس صحيح.
تحذير من “تشتيت الانتباه” بسبب أزمات الخليج
في ظل التصعيد الأخير في منطقة الخليج، خاصة على خلفية التوترات المرتبطة بإيران، شدد بوريطة على ضرورة عدم الوقوع في فخ “تحويل الأنظار” بعيدًا عن القضية الفلسطينية.
هذا التحذير يحمل بعدًا سياسيًا مهمًا، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن الأزمات الإقليمية الكبرى كثيرًا ما تؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، سواء على مستوى الإعلام أو صناع القرار.
من منظور تحليلي، فإن تزامن الأزمات في الشرق الأوسط يخلق “ازدحامًا جيوسياسيًا”، حيث تتنافس الملفات على الأولوية، وغالبًا ما تخسر القضية الفلسطينية هذا السباق رغم مركزيتها التاريخية.
تصعيد مقلق في الضفة والقدس ورمضان تحت الضغط
لم تقتصر تصريحات الوزير المغربي على التحليل السياسي، بل تناولت أيضًا التطورات الميدانية، التي وصفها بـ"المقلقة"، ففي الضفة الغربية، تتزايد عمليات مصادرة الأراضي، إلى جانب هجمات متكررة من قبل مستوطنين ضد الفلسطينيين.
أما في القدس، فقد أشار بوريطة إلى التضييقات على المسجد الأقصى، خاصة خلال شهر رمضان، وهو ما يرفع من حساسية الوضع الديني والسياسي في آن واحد.
هذا التصعيد في الأماكن المقدسة يكتسب أهمية مضاعفة، نظرًا للدور الذي يلعبه المغرب من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، ما يمنح الرباط موقعًا خاصًا في متابعة هذا الملف.
حل الدولتين خيار استراتيجي لا ظرفي
جدد بوريطة التأكيد على أن التعامل مع القضية الفلسطينية لا يجب أن يكون موسميًا أو مرتبطًا بالأزمات، بل قائمًا على رؤية استراتيجية ثابتة، وفي هذا السياق، شدد على أن حل الدولتين يظل الإطار الوحيد القابل لتحقيق الاستقرار.
هذا الموقف يتماشى مع الإجماع الدولي النظري، لكنه يأتي في وقت تتراجع فيه فرص تطبيقه عمليًا، بسبب التغيرات على الأرض، خاصة في الضفة الغربية.
تحليلًا، فإن إعادة التأكيد على حل الدولتين في هذا التوقيت يعكس محاولة لإعادة إحياء مسار سياسي يكاد يكون مجمدًا، في ظل غياب مفاوضات فعالة منذ سنوات.
السلطة الفلسطينية واستقرار الضفة شرط نجاح أي خطة لغزة
من النقاط اللافتة في تصريحات بوريطة، تحذيره من أن إضعاف السلطة الفلسطينية قد يقوّض أي جهود لإعادة الاستقرار إلى غزة، إذ اعتبر أن الحفاظ على مؤسسات السلطة واستقرار الضفة عنصران أساسيان لإنجاح أي خطة، بما في ذلك المبادرات الدولية المرتبطة بغزة.
هذا الطرح يعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض الأطراف الدولية بأن غياب شريك فلسطيني قوي ومنظم قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني، يصعب ملؤه.
المغرب بين دعم الخليج والدفاع عن فلسطين
على مستوى السياسة الخارجية، حرص بوريطة على التأكيد على تضامن المغرب مع دول الخليج ورفضه للاعتداءات الإيرانية، في إطار العلاقات الاستراتيجية التي تربط الرباط بهذه الدول.
لكن في الوقت ذاته، حافظ الخطاب المغربي على توازن واضح، عبر التأكيد أن دعم الخليج لا يجب أن يأتي على حساب الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وهذا التوازن يعكس نهجًا دبلوماسيًا يسعى إلى الحفاظ على تحالفات إقليمية متعددة دون التفريط في الثوابت السياسية.
رسالة مغربية لإعادة ضبط البوصلة
تصريحات ناصر بوريطة ليست مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل تمثل محاولة لإعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وفي زمن تتعدد فيه الأزمات، تبدو الرسالة المغربية واضحة: فلسطين ليست ملفًا ثانويًا… واستقرار الضفة هو مفتاح أي حل مستقبلي.

