الخميس 4 يونيو 2026 01:51 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

إغلاق الأقصى 32 يومًا: هل تستغل إسرائيل الحرب لفرض واقع جديد في القدس؟

السبت 28 مارس 2026 09:57 مـ 9 شوال 1447 هـ
المسجد الأقصى
المسجد الأقصى

يستمر إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثاني والثلاثين على التوالي في صمتٍ ثقيل يفرضه ضجيج الحرب الإقليمية وخطوة غير مسبوقة منذ عقود، وبين رواية “الضرورة الأمنية” وتساؤلات حول ما يجري خلف الكواليس، يتصاعد القلق من أن ما يحدث قد لا يكون إجراءً مؤقتًا بل بداية لتحول أعمق في وضع القدس.

إغلاق غير مسبوق في توقيت حساس

تواصل إسرائيل فرض إغلاق كامل على المسجد الأقصى منذ 28 فبراير، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وهذا الإجراء، الذي حرم آلاف المسلمين من أداء الشعائر، خاصة خلال شهر رمضان، يُعد سابقة لم تحدث منذ حرب عام 1967، ما يمنحه دلالات تتجاوز البعد الأمني التقليدي.

في السياق الرسمي، تبرر تل أبيب القرار بمخاوف من استهداف التجمعات الدينية في ظل التصعيد العسكري وتبادل الضربات الصاروخية، التي طالت مناطق قريبة من القدس، إلا أن توقيت الإغلاق واستمراره يثيران تساؤلات حول مدى اتساقه مع الضرورات الأمنية وحدها.

هل تُستغل “لحظة الحرب” لفرض واقع جديد؟

يرى مراقبون أن انشغال العالم بالحرب الدائرة وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية خلق “فراغًا رقابيًا” يسمح بتمرير سياسات على الأرض دون ضغوط دولية فعالة.

في هذا الإطار، يلفت الكاتب والباحث السياسي الدكتور أكرم عطالله إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه إجراءً أمنيًا، معتبرًا أن إسرائيل تستثمر ما وصفه بـ”اللحظة التاريخية” لتهيئة الرأي العام لخطوات أوسع، قد تشمل إعادة صياغة الوضع القائم في المسجد الأقصى.

هذا التحليل يستند إلى مسار طويل بدأ منذ عام 1967، حيث تعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مدعومة بتيارات دينية واستيطانية، على ترسيخ وجود تدريجي داخل القدس، سواء عبر تغيير الواقع الديموغرافي أو فرض ترتيبات جديدة في محيط الأقصى.

الأقصى في قلب مشروع ممتد

تشير معطيات متعددة إلى أن ملف المسجد الأقصى لا يُدار بمعزل عن سياق أوسع، يتضمن سياسات تهويد متدرجة، تشمل الاستيطان، وشراء العقارات في أحياء مثل سلوان، وفرض قيود متكررة على الوصول إلى الحرم القدسي.

وبحسب قراءات سياسية، فإن هذا المسار يعتمد على “التراكم البطيء” بدل المواجهة المباشرة، بما يقلل من كلفة ردود الفعل الدولية، إلا أن الإغلاق الحالي، بطوله وطبيعته، قد يمثل نقلة نوعية في هذا النهج.

كما تزامن ذلك مع تصريحات لقيادات إسرائيلية سابقة، من بينها رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورج، الذي أشار إلى محاولات متكررة لاستهداف الأقصى خلال العقود الماضية، ما يعكس وجود نقاش داخلي إسرائيلي حول مستقبل هذا الملف.

بين الدين والسياسة حسابات معقدة

لا يمكن فصل ما يجري عن التأثير المتزايد للتيارات الدينية داخل السياسة الإسرائيلية، حيث تتداخل الاعتبارات الأيديولوجية مع القرارات الأمنية، وفي المقابل، تشير بعض التقديرات إلى أن هناك عوامل داخلية قد تؤخر خطوات أكثر تصعيدًا، مرتبطة باعتبارات دينية معقدة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ.

لماذا يغيب الضغط الدولي؟

رغم حساسية الملف، يبدو أن ردود الفعل الدولية حتى الآن محدودة، ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل متزامنة:

  • تصاعد الحرب الإقليمية وتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية
  • المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز وسلاسل الإمداد
  • تركيز الدول على استقرارها الداخلي في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة

هذا التزاحم في الأولويات أدى إلى تراجع ملف القدس في الأجندة الدولية، مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة، وهو ما قد يمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك دون ضغوط فعالة.

هل نحن أمام تغيير في الوضع القائم؟

السؤال الأهم الذي يفرض نفسه، هل يمثل الإغلاق الحالي إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بالحرب، أم أنه خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى؟

الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن ما يجري ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من ديناميكيات أعمق تتقاطع فيها السياسة بالأمن بالدين، في واحدة من أكثر القضايا حساسية على مستوى العالم الإسلامي.

خلاصة بشكاتب

إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ32 لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي المضطرب، وبينما تظل المبررات الأمنية حاضرة في الخطاب الرسمي، فإن طول أمد الإجراء وتوقيته يفتحان الباب أمام تساؤلات جدية حول الأهداف بعيدة المدى، وفي ظل انشغال العالم بأزمات متلاحقة، يبقى مستقبل الوضع في القدس مرهونًا بتطورات قد تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.