الخميس 4 يونيو 2026 01:49 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
بشكاتب
رئيس مجلس الإدارةمحمد النجار
×

تفشي فيروس هانتا على سفينة سياحية: هل بدأ الانتقال بين البشر؟

الأربعاء 6 مايو 2026 09:09 صـ 19 ذو القعدة 1447 هـ
تفشي فيروس هانتا على سفينة سياحية
تفشي فيروس هانتا على سفينة سياحية

بين أمواج الأطلسي الهادئة، تسلل عدو مجهري ليحول سفينة سياحية من ملاذ للاستجمام إلى زنزانة عائمة يطاردها الموت، ثلاث أرواح أُزهقت، وعشرات الحيوات معلقة بانتظار المجهول، في حادثة قد تعيد رسم خريطة الرعب الفيروسي العالمي، إذ كانت الرحلة تبدو مثالية؛ سفينة سياحية تشق طريقها من موانئ الأرجنتين الدافئة باتجاه جزر الرأس الأخضر الساحرة، لكن خلف هذه الواجهة البراقة، كان فيروس "هانتا" (Hanta Virus) ينسج خيوطه بصمت، اليوم، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن ما بدأ كاشتباه صحي تحول إلى مأساة حقيقية بوفاة ثلاثة ركاب (مواطن ألماني وزوجان هولنديان)، وسط حالة من الاستنفار الدولي لم تشهده البحار منذ أزمة كوفيد-19.

لغز "الأنديز": هل كُسرت قواعد الطبيعة؟

ما يثير ذعر الخبراء ليس مجرد الوفيات، بل "طريقة الانتقال"، فالمعروف علمياً أن فيروس هانتا ينتقل عبر فضلات القوارض، لكن التحقيقات الحالية التي يقودها البروفيسور جوناثان بول، بالتعاون مع كلية ليفربول للطب الاستوائي، تضع فرضية مرعبة على الطاولة انتقال الفيروس من إنسان إلى آخر.

تشير الدلائل الأولية إلى أن السلالة المنتشرة هي "فيروس الأنديز" (Andes virus)، وهي السلالة الوحيدة عالمياً المعروفة بقدرتها المحدودة على الانتقال المباشر بين البشر، ماريا فان كيركوف، مديرة إدارة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية، أكدت أن العدوى تركزت بين "المخالطين المقربين" الذين تقاسموا الكبائن، مما يعزز فرضية الانتقال المباشر في بيئات مغلقة.

تحليل الأرقام والوضع الراهن

تضع السلطات الصحية السفينة تحت مجهر الرقابة الصارمة، ويمكن تلخيص المشهد الوبائي الحالي في الأرقام التالية:

  • الوفيات: 3 حالات مؤكدة.

  • الإصابات: 7 حالات (2 مؤكدة مخبرياً + 5 مشتبه بها).

  • قيد المراقبة: 147 شخصاً من الركاب والطاقم، من بينهم 17 أمريكياً.

  • فترة الحضانة: يحذر العلماء من أن طول فترة حضانة الفيروس تتطلب مراقبة قد تمتد لأسابيع.

رحلات "مراقبة الطيور" وحلقة الوصل المفقودة

تتجه أصابع الاتهام أيضاً إلى الرحلات البرية التي قام بها الركاب في جزر الرأس الأخضر لممارسة أنشطة مثل "مراقبة الطيور"، وتشير كيركوف إلى أن بعض هذه الجزر تعج بالقوارض، مما يفتح باباً للاحتمالات، هل بدأت العدوى من مريض "صفر" جاء من الأرجنتين، أم أن بيئة السفينة والجزر ساهمت في انفجار بؤرة الإصابات؟

عالمة الفيروسات كاري ديبينك، من جامعة جونز هوبكنز، وصفت الأمر بأنه "نادر للغاية ومفاجئ"، مشددة على ضرورة ارتداء الكمامات داخل السفينة، حيث إن التقارب الجسدي في الممرات والكبائن الضيقة يمثل بيئة خصبة لانتشار سلالة الأنديز إذا ما ثبتت قدرتها على الانتقال التنفسي.

الوجهة القادمة: جزر الكناري تحت الاستنفار

بينما يتلقى أحد المصابين العلاج في العناية المركزة بجنوب إفريقيا، وتستعد هولندا لاستقبال مريضين آخرين عبر إجلاء طبي جوي، تتجه السفينة الآن إلى جزر الكناري، وهناك، ستخضع لعملية تطهير شاملة (Deep Disinfection) وتقييم وبائي دقيق من قبل السلطات الإسبانية.

تؤكد الدكتورة إميلي عبدولر من جامعة ميشيغان أن عزل السفينة وحده قد لا يكفي إذا ثبت انتقال العدوى بين البشر، مشيرة إلى أن "إخراج الناس من السفينة لا يوقف الانتشار إذا كانت السلالة قادرة على القفز بين الأفراد"، وهو ما يستدعي تتبعاً دقيقاً لكل من غادر السفينة في المحطات السابقة، والعالم يحبس أنفاسه، فهل تنجح إجراءات الاحتواء في وأد هذا التفشي في مده وجزره، أم أننا أمام فصل جديد من فصول الصراع بين البشر والفيروسات العابرة للقارات؟